تخطَّ إلى المحتوى
Search blog
Search blog…
كل المقالات

Articles

حتى بلّ الأرض: صلاة النبي وخشوعه

خمس روايات محققة تصف صلاة النبي صلى الله عليه وسلم كما كانت؛ صدر يئز كأزيز الرحى، وقدمان تتفطران من طول القيام، وليل ينقضي وقد بلّت دموعه الأرض تحت وجهه.

الكاتب
The Quran Gallery team
تاريخ النشر
مدة القراءة
قراءة 4 دقيقة

من السهل تعريف الخشوع، لكن من الصعب تصوره. يمكننا القول إنه خضوع القلب الذي يظهر على الجوارح؛ سكون، وبكاء، وعقل ترك هموم يومه وراء ظهره، ومع ذلك قد لا ندرك كيف يبدو هذا الخشوع متجسدا في إنسان. ولأجل ذلك، تقدم لنا المصادر ما هو خير من مجرد التعريف: روايات لأشخاص راقبوا صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا قريبين منه بما يكفي لسماع أزيز صدره ورؤية الأرض مبللة تحت وجهه. نجمع لكم أدناه خمسة من هذه المواقف، موثقة من صفحات الكتب المطبوعة التي وردت فيها، بدلا من تناقلها كإحالات مرسلة.

صلى حذيفة بن اليمان رضي الله عنه ذات ليلة خلف النبي صلى الله عليه وسلم، ووصف تلك الصلاة لاحقا بتفصيل يكفي لنرسم صورة شبه كاملة للركعة الواحدة. ذكر أن النبي افتتح الصلاة بسورة البقرة، فظن حذيفة أنه سيركع عند الآية المائة، لكنه لم يفعل. فظن أنه سيختم السورة في ركعة واحدة، لكنه لم يتوقف عندها أيضا؛ بل مضى مباشرة إلى سورة النساء فقرأها كاملة، ثم افتتح سورة آل عمران، يقرأ مترسلا؛ بتمهل ودون عجلة، يعطي كل آية حقها ووزنها.

ولاحظ حذيفة أمرا آخر في طريقة قراءته؛ لم تكن مجرد تلاوة عابرة. “إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ”. ولما ركع أخيرا، كان ركوعه قريبا من قيامه في الطول. ثم رفع رأسه فكان قيامه قريبا من ركوعه. ثم سجد فكان سجوده قريبا من قيامه. ثلاث سور طوال، تُتلى وكأن كل آية تُعاش ولا تُقرأ فحسب، في صلاة حافظت على تناسب أركانها من تكبيرة الإحرام إلى السجدة الأخيرة.

— صحيح مسلم، الصفحة المطبوعة 1/536 من ، عن حذيفة بن اليمان.

دخل عبد الله بن الشخير رضي الله عنه يوما على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، فاستوقفه صوت سمعه. قال: “أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، ولجوفه أزيز كأزيز الرحى من البكاء”. وقد صحح محققو هذه الطبعة من سنن أبي داود إسناد الحديث. إنه لأمر عجيب أن يُحفظ مثل هذا التفصيل؛ فهو ليس قولا ولا حكما شرعيا، بل مجرد وصف شاهد عيان لصوت سمعه، وهذا تحديدا ما يجعل اختلاقه مستحيلا. فلا أحد يبني حكما فقهيا على صوت صدر إنسان، وإنما نقلوه لأنهم سمعوه حقا.

— سنن أبي داود، الصفحة المطبوعة 2/173 من .

زار عطاء وعبيد بن عمير رحمهما الله عائشة رضي الله عنها يوما، وسألاها أن تخبرهما بأعجب ما رأته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فسكتت، ثم قالت: “لما كان ليلة من الليالي قال: يا عائشة ذريني أتعبد الليلة لربي. قلت: والله إني لأحب قربك، وأحب ما سرك”.

فقام فتطهر، ثم قام يصلي. قالت: “فلم يزل يبكي حتى بل حجره، ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بل لحيته، ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بل الأرض”. وجاء بلال رضي الله عنه يؤذنه بالصلاة، فلما رآه يبكي قال: “يا رسول الله، لِمَ تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم وما تأخر؟” فأجابه: “أفلا أكون عبدا شكورا؟ لقد نزلت علي الليلة آية، ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها”:

إِنَّ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ لَـَٔايَـٰتٍ لِّأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ

سورة آل عمران، 3:190 — وهي فاتحة الآيات العشر التي تختم السورة، والتي أكمل تلاوتها حتى نهايتها.

— صحيح ابن حبان، الصفحة المطبوعة 7/722 من .

تذكر علي بن أبي طالب رضي الله عنه ليلة لم يكن فيها متسع للراحة. قال: “ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح”. كان ذلك في المعسكر عشية معركة ستحدد مصير الأمة المسلمة الناشئة وبقاءها، وكان الشخص الوحيد القائم طوال الليل هو من يحمل العبء الأكبر والمسؤولية الأعظم عما سيحمله الصباح.

— صحيح ابن حبان، الصفحة المطبوعة 6/319 من .

وصف المغيرة بن شعبة رضي الله عنه مشهدا غدا من أكثر المشاهد تكرارا في التراث الإسلامي، ولسبب وجيه. قال: “قام النبي صلى الله عليه وسلم حتى تورمت قدماه”. فقيل له: “غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر” — وهو تساؤل منطقي وبسيط: لِمَ تحمل كل هذا العبء والنتيجة محسومة سلفا؟ فجاءت إجابته غنية عن كل بيان: “أفلا أكون عبدا شكورا؟”

لم تكن مكانته في الدنيا تجعل المغفرة مشروطة بجهده وعمله. فلم تكن العبادة يوما ثمنا للنتيجة، بل كانت استجابة لها.

— صحيح البخاري، الصفحة المطبوعة 4/1830 من ، عن المغيرة بن شعبة.

لا تصف أي من هذه الروايات تقنية معينة. ولا أحد يعلمنا فيها طريقة لتحقيق الخشوع؛ فلا توجد تعليمات، ولا وصفة سحرية، ولا قاعدة تقول “قف هكذا لتبكي هكذا”. ما تحفظه لنا هذه الروايات هو أثر عفوي: رجل تعاظمت علاقته بربه حتى فاضت على صلاته، فظهرت في صوت مسموع، وأثر جسدي، وانفعال لا إرادي. لم يكن أزيز صدره ولا تورم قدميه استعراضا أمام الناظرين. بل تصادف وجود عبد الله بن الشخير والمغيرة هناك. أما عائشة فقد سُئلت مباشرة، واحتاجت أن تستحضر الذكرى في صمت قبل أن تجيب.

وهذا، في النهاية، أصدق ما يمكن أن تخبرنا به هذه الروايات عن الخشوع: إنه ليس في المقام الأول هيئة نتخذها في الصلاة. بل هو ما يفعله القلب الذي عرف الله حق المعرفة حين تُتاح له أخيرا فرصة الوقوف بين يديه دون انقطاع. وكل ما ظهر في هذه الروايات الخمس — من دموع، وصوت، وأقدام متورمة، وطول قيام — لم يكن سوى التجلي الظاهر لتلك المعرفة.

إذا كنت ترغب في منح صلاتك مساحة أكبر لبلوغ هذه الغاية، فإن دليل الصلاة من معرض القرآن سيحسب لك أوقات صلواتك الخمس والثلث الأخير من الليل بناء على موقعك الجغرافي — وهو ذات الامتداد من سكون الليل الذي طالما ترددت أصداؤه في هذه الروايات.