تخطَّ إلى المحتوى
Search blog
Search blog…
كل المقالات

Articles

القرآن هو الذكر: ما يترتب على أخذ هذه الحقيقة بجدية

سمى الله ﷻ القرآن بـ "الذكر" في القرآن نفسه؛ ليس هذا مجرد ثناء من مؤمن، بل هو وصف الكتاب لنفسه. وتتتبع أربعة أحاديث ما يترتب على هذا الوصف من أجر ومكانة: أجر يُحسب بالحرف، وعناية إلهية لا يحظى بها شيء آخر، ومنزلة تتحدد عند آخر آية يقرؤها المرء.

الكاتب
فريق معرض القرآن
تاريخ النشر
مدة القراءة
قراءة 4 دقيقة

حين تُذكر كلمة “الذكر”، يتبادر إلى أذهان معظم الناس عبارات قصيرة تُردد: سبحان الله، الحمد لله، لا إله إلا الله. نعدها على أصابعنا، ونشعر بالسكينة تغمرنا. هذه الممارسة حقيقية وعظيمة، لكنها ليست موضوع هذا المقال.

موضوعنا هنا عن حقيقة أعظم، وهي ليست من كيسنا. فالله ﷻ لا يكتفي بإثابة قارئ القرآن باعتبار قراءته نوعاً من أنواع الذكر فحسب، بل سمّى الكتاب نفسه “الذكر”؛ هكذا يصف الكتاب نفسه بكلماته.

إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَـٰفِظُونَ

سورة الحجر، 15:9

الكلمة المستخدمة هنا هي “الذكر”، وهي من أسماء القرآن التي سمى بها نفسه، إلى جانب “الفرقان” و”الهدى”. ولهذه الكلمة دلالة عميقة في الآية: فالله ﷻ لا يَعِدُ بحفظ نص يتحدث عن الذكر، بل يَعِدُ بحفظ “الذكر” نفسه.

هذا الفارق الدقيق هو جوهر مقالنا. فلو كان القرآن مجرد “شكل” من أشكال الذكر، لتزاحم مع غيره من المهام على الدقائق الخمس المتاحة في جدولك اليومي. أما إذا كان القرآن هو “الذكر” ذاته -كما سماه الله- فإن تلاوته، والاستماع إليه، ومجالسته، ليست مجرد أمور رديفة لذكر الله، بل هي الطريق الأقصر والأكثر مباشرة إليه.

مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ الم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ، وَلَامٌ حَرْفٌ، وَمِيمٌ حَرْفٌ

— روي عن عبد الله بن مسعود، جامع الترمذي، الصفحة المطبوعة 5/33 من ، وقد حكم عليه الترمذي نفسه بأنه حسن صحيح غريب من هذا الوجه.

تُحسب أذكار العبادات الأخرى بالعبارة: قلها مائة مرة، أو رددها دبر كل صلاة. أما هنا، فالحساب بالحرف. وقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تأكيد هذه الحقيقة لئلا يظن أحد أن الوحدة المحسوبة هي الكلمة؛ فالحرف القرآني الواحد، وليس الكلمة بأكملها، يضاعف بعشر حسنات. لا يوجد في قاموس الأذكار المعتاد ما يُقاس بهذه الدقة المتناهية. إنها حسبة مختلفة تماماً، ولا تنطبق إلا على هذا الكتاب وحده.

إن تكرار ذكر قصير مائة مرة يعني مائة حسنة، مضاعفة بكرم الله. لكن صفحة واحدة من القرآن تحوي مئات الأحرف، وكل حرف منها يحظى بتلك المضاعفة مستقلاً؛ فهي لا تُجمع في عبادة واحدة، بل يُحسب كل حرف على حدة، وكأن كل حرف يمثل تلاوة قائمة بذاتها.

مَا أَذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ

— روي عن أبي هريرة، صحيح مسلم، الصفحة المطبوعة 2/192 من .

يخص النص نبياً بعينه، والأولى إبقاء المعنى على ظاهره دون تعميمه على الجميع. لكن المغزى الكامن وراء هذا الحديث لا يعتمد على هوية القارئ، بل على ما يصفه الحديث بأنه الشيء الوحيد الذي يستمع الله إليه أكثر من أي صوت آخر. ليس دعاءً، ولا خطبة، ولا نداء استغاثة؛ بل صوت يصدح بالقرآن. ومهما تعددت أشكال الذكر، فإن هذا هو ما يضربه الحديث مثلاً لأعظم ما يحظى باستماع الله ﷻ.

وإذا قرأنا هذا الحديث جنباً إلى جنب مع حديث الأجر بالحرف المذكور آنفاً، نجد أنهما لا يتحدثان عن أمرين منفصلين. فالأول يقيس ما يجنيه القارئ من أجر، والثاني يبين من يستمع إليه؛ وهو استماع الله ﷻ الذي وُصف هنا بأنه أشد من استماعه لأي شيء آخر.

يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ: اقْرَأْ، وَارْتَقِ، وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ مَنْزِلَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا

— روي عن عبد الله بن عمرو، سنن أبي داود، الصفحة المطبوعة 1/547 من .

ترتبط معظم الأجور في السنة النبوية بعمل مكتمل: صلاة أُديت، أو صيام انقضى. أما هذا الأجر، فيرتبط بسقف يرتفع باستمرار ما دام المرء يقرأ. ولا توجد رواية لهذا الحديث تجعل من حفظ المزيد أو قراءة المزيد أمراً لا أثر له؛ فالمنزلة في الآخرة مرهونة، آية بآية، بالمدى الذي بلغته التلاوة في الدنيا. ولا نجد هذه الهيكلة في صيغ الأذكار الأخرى، بل هي خصيصة ينفرد بها القرآن.

اقْرَؤُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ…

— روي عن أبي أمامة الباهلي، صحيح مسلم، الصفحة المطبوعة 2/197 من .

لم يُذكر في أي موضع من كتب الحديث أن صيغة ذكر قصيرة تأتي يوم القيامة لتدافع عن صاحبها. لكن القرآن يفعل ذلك، وتحديداً لمن لازمه وصاحبه، لا لمن اكتفى باقتناء نسخة منه. لقد استخدم الحديث لفظ “أصحابه”، وهي الكلمة ذاتها التي تُطلق على من يقضي وقتاً طويلاً مع شخص ما، لا على من يعرفه معرفة سطحية. فالنسخة المركونة على الرف ليس لها “أصحاب” بهذا المعنى، مهما كثرت إشارة مالكها إليها.

لا يقلل أي مما سبق من شأن عبارات الذكر القصيرة المتكررة أو من الأمر بها؛ فهي لا تنافس القرآن، والقرآن نفسه يأمر المؤمنين بذكر الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم. لكن هذا يعني أن القرآن لا يمكن تصنيفه كشيء “إضافي”، أو كملحق يُضاف بعد الانتهاء من الذكر “الحقيقي”. فوصف الله ﷻ للقرآن يجعله أصل هذا الباب كله، لا مجرد فرع من فروعه. إن الصلوات الخمس المكتوبة تتضمن التلاوة في إيقاعها الثابت؛ وما تغيره الأحاديث الأربعة المذكورة أعلاه ليس الجدول الزمني، بل الوزن الذي يعطيه المرء لما يقرؤه في تلك الصلوات.

ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ ٱللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ

سورة الرعد، 13:28

إذا كانت هذه هي الغاية من الذكر -أي طمأنينة القلب لا مجرد إنجاز مهمة في قائمة- فإن المقياس الحقيقي لتلاوة القرآن اليوم ليس بلوغ عدد معين من الصفحات، بل هو ما إذا كان القلب قد سكن واطمأن.

ابدأ من حيث وضعت لك السنة النبوية هيكلاً واضحاً: يضم قسم /adhkar أذكار الصباح والمساء وما بعد الصلاة التي حافظ عليها المسلمون لأكثر من ألف عام. أضف وِرداً من التلاوة إلى ما تقوله هناك، بدلاً من تأجيله لوقت منفصل وغير مضمون خلال اليوم، ودع الأمرين يتوقفان عن التزاحم على الدقائق الخمس ذاتها.

نحن نفضل أن نُقوَّم على أن نكرر خطأً، لذا أخبرونا إن أخطأنا في فهم أي شيء هنا. نسأل الله أن يجعلنا من أهل كتابه.