Articles
دعاءان أخبر النبي أنهما لا يُردان
دعاء سمعه النبي من أحد الصحابة، ونبي ينادي ربه من بطن الحوت، وعبارة أوصى الرسول أصحابه بملازمتها: ثلاث طرق عملية يعلمنا إياها القرآن والحديث لدعاء الله بأسمائه الحسنى وتوحيده.
- الكاتب
- The Quran Gallery team
- تاريخ النشر
- مدة القراءة
- قراءة 6 دقيقة
عن بريدة أن أباه كان حاضراً حين سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً يدعو:
اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، الْأَحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم لمن معه وقال:
وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ سَأَلَ اللهَ بِاسْمِهِ الْأَعْظَمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى — سنن الترمذي، الصفحة المطبوعة 5/462 من ، وهو حديث حسنه الترمذي وقال عنه: حسن غريب.
لم يكن في كلمات الرجل أي تكلف أو غرابة؛ فقد ذكر اسم الله، ونفى الشريك عنه، واقتبس كلمات يحفظها كل من في ذلك المجلس منذ نعومة أظفارهم. إن ما جعل هذا الدعاء مستجاباً لا يُرد -بشهادة النبي صلى الله عليه وسلم- لم يكن فصاحة اللسان، بل لأن الرجل توسل إلى الله بأسمائه الحسنى وتوحيده قبل أن يشرع في طلب حاجته بكلماته الخاصة.
تأمل مرة أخرى النصف الثاني من دعاء الرجل: “الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد”. إن العبارتين الأخيرتين ليستا مجرد صياغة مشابهة، بل هما اقتباس حرفي تقريباً لخواتيم سورة الإخلاص:
لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدٌۢ أما الاسمان اللذان سبقا ذلك في دعائه، وهما “الأحد” و”الصمد”، فهما الاسمان اللذان تُفتتح بهما السورة ذاتها. لم يكن الرجل ينتقي صفات يراها مناسبة فحسب، بل كان يناجي الله بالصفات التي وصف بها نفسه سبحانه، ثم يسأله بحقها. وهذا هو النهج الذي يتمحور حوله هذا المقال: أن تتوسل إلى الله بما قاله عن نفسه، ثم تسأله حاجتك.
إن هذه الفطرة في الدعاء ليست مجرد عادة شعبية، بل هي أمر إلهي ورد صراحة في القرآن الكريم:
وَلِلَّهِ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا ۖ وَذَرُوا۟ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىٓ أَسْمَـٰٓئِهِۦ ۚ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ إن كلمة “الدعاء” هنا تشمل معنيين في آن واحد: الثناء على الله باسم من أسمائه، وسؤاله حاجة بهذا الاسم. فالذي يقول: “يا غفور اغفر لي” يجمع بين الأمرين في نَفَس واحد. وهذا ما يطلق عليه علماء السلف مصطلح “التوسل”، أي التقرب إلى الله بوسيلة شرعها وأقرها بنفسه، بدلاً من ابتداع وسائل أخرى. وأسماؤه الحسنى وتوحيده هما أول ما نص عليه القرآن من هذه الوسائل.
وتُختتم الآية ذاتها بتحذير قد يغفل عنه كثير من القراء: ﴿وَذَرُوا۟ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىٓ أَسْمَـٰٓئِهِۦ﴾. والإلحاد في أسماء الله يتخذ صورتين شائعتين في كلام الناس: إما إطلاق اسم على الله لم يسمِّ به نفسه، أو تفريغ الاسم الذي سمى به نفسه من معناه الحقيقي، فيصبح “الرحيم” أو “العدل” مجرد لقب لا دلالة وراءه. إن الأمر بدعاء الله بأسمائه والتحذير من الإلحاد فيها قد وردا في سياق واحد ليكونا وجهين لعملة واحدة: ادعوا الله بأسمائه، واستخدموها بالمعاني التي أرادها سبحانه.
يقص علينا القرآن الكريم قصة تتجلى فيها هذه الطريقة تطبيقاً لا أمراً. فقد خرج يونس عليه السلام من بين قومه مغاضباً، ظاناً -كما توضح الآية- أن الله لن يضيق عليه ويؤاخذه. فابتلعه الحوت العظيم، ليجد نفسه في ظلمات ثلاث: ظلمة البحر، وظلمة الليل، وظلمة بطن الحوت.
وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَـٰضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِى ٱلظُّلُمَـٰتِ أَن لَّآ إِلَـٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبْحَـٰنَكَ إِنِّى كُنتُ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ وقد روى سعد بن أبي وقاص أن النبي صلى الله عليه وسلم خص هذه الكلمات بالذكر فقال:
دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ اللهُ لَهُ — سنن الترمذي، الصفحة المطبوعة 5/484 من .
إذا تأملت دعاء يونس عليه السلام بتأنٍ، ستجد أنه ليس فكرة واحدة مكررة، بل ثلاث خطوات مرتبة بعناية.
قوله: “لا إله إلا أنت” هو إقرار بتوحيد الله؛ فليس في الوجود من يستحق العبادة سواه.
وقوله: “سبحانك” هو تنزيه لله عن كل نقص، بما في ذلك النقص الذي ظنه يونس خطأً حين اعتقد أن الله لن يقدر عليه ويؤاخذه.
وقوله: “إني كنت من الظالمين” هو اعتراف من يونس عليه السلام بذنبه وتقصيره قبل أن يطلب أي شيء.
وهكذا، بعد إثبات وحدانية الله، وتنزيهه عن كل عيب، والاعتراف بالذنب، ينتهي الدعاء دون أي طلب صريح. لقد تُرك الطلب لله ليجيب السائل بناءً على ما قدمه من ثناء واعتراف. وهذا هو الترتيب ذاته الذي اتبعه الرجل في القصة الأولى: الشهادة لله بالوحدانية، ونفي الشريك عنه، ثم السؤال.
قارن هذا بالطريقة التي نصوغ بها طلباتنا غالباً دون هذا الترتيب؛ حيث ندخل في صلب الحاجة مباشرة دون مقدمات. لم يكن من الخطأ أن يطلب الرجل أو يونس عليه السلام حاجتهما في النهاية، ولكن ما قدماه أولاً هو الثناء على الله بما هو أهله. فالسؤال جاء لاحقاً، ولم يكن بديلاً عن الثناء.
عن ربيعة بن عامر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
أَلِظُّوا بِيَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ — مسند أحمد، الصفحة المطبوعة 29/138 من ، وهو إسناد صححه محققو الطبعة.
الفعل “ألظوا” يعني التمسك بالشيء والمداومة عليه، كما يتشبث المرء بالحبل. وهو توجيه نبوي بملازمة عبارة واحدة -تجمع بين اسم وصفة- بدلاً من البحث عن كلمات جديدة في كل مرة. إن تكرار اسم من أسماء الله ليس أقل شأناً من الدعاء البليغ؛ بل هو، بناءً على ما سبق، أقرب إلى الدعاء الذي وصفه النبي بأنه مستجاب لا يُرد.
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
إِنَّ لِلهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ — صحيح البخاري، الصفحة المطبوعة 3/198 من .
كلمة “أحصاها” مشتقة من الإحصاء، وهو العد الشامل الذي لا يغادر شيئاً. وقد فسر شراح الحديث هذه الكلمة بأنها تتجاوز مجرد الحفظ والسرد؛ فحفظ الأسماء التسعة والتسعين هو المرتبة الأولى، وفهم معانيها هو المرتبة الثانية، ودعاء الله والثناء عليه بها -وهو جوهر هذا المقال- هو المرتبة الثالثة، أما المرتبة الرابعة فهي أن ينعكس أثر هذه الأسماء على سلوك العبد. فالذي يعلم أن الله هو “الرحيم” ثم لا يرحم أحداً، يكون قد عدّ الاسم ولم يحصه.
الدعاءان المذكوران آنفاً يتوسلان إلى الله بكمال ذاته، ووحدانيته، وتنزيهه عن النقص. ويمكن أيضاً توجيه الدعاء باسم واحد يتناسب مع الحاجة المطلوبة: فمن يطلب المغفرة ينادي “يا غفور”، ومن يطلب الرزق ينادي “يا رزاق”، ومن يطلب الشفاء ينادي “يا شافي”، ومن يواجه قراراً صعباً ينادي “يا لطيف”، ومن يخاف على شخص أو أمر ينادي “يا حفيظ”. كما يمكن الجمع بين أكثر من اسم في الدعاء الواحد إذا تعددت الحاجات؛ فالمريض، على سبيل المثال، له أن يجمع بين “الشافي” و”الرحيم” في نداء واحد.
وهنا تجدر الإشارة إلى قاعدة نحوية مهمة تؤثر على طريقة نطق الاسم: فأل التعريف التي تسبق هذه الأسماء عادة في سياق الكلام -مثل “الغفور”، “الرزاق”- تُحذف عند النداء المباشر. لذا يعلمنا القراء وشيوخ الدعاء أن نقول: “يا غفور” وليس “يا الغفور”، و”يا رزاق” وليس “يا الرزاق”؛ لأن أداة النداء تغني عن أل التعريف.
ولا يتطلب أي من هذا حفظ الأسماء التسعة والتسعين كاملة قبل الدعاء بأي منها. فالرجل الذي دعا بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم لم يسرد قائمة من الأسماء، بل اختار اسمين أو ثلاثة تتناسب مع ما أراد إثباته، بكلمات كان يحفظها مسبقاً. وهذا أمر أيسر مما يبدو عليه، وهو المعيار الحقيقي الذي يقوم عليه هذا النهج.
دعاءان، تفصل بينهما قرون عديدة، يشتركان في منهج واحد: الثناء على الله بما هو أهله قبل طلب الحاجة. فعلها رجل بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم فبُشر بأن دعاءه لا يُرد. وفعلها نبي من بطن الحوت، فجاءت كل الروايات بعده تحمل الوعد ذاته. وبينهما معجم كامل -99 اسماً- متاح لكل من أراد أن يتعلم معانيها ويدعو الله بها.
يمكن للقراء البحث عن أي من أسماء الله الحسنى كما وردت في القرآن الكريم، آية بآية، عبر الرابط /quran.
لقد حرصنا على نقل كل آية وحديث هنا بدقة كما وردت في مصادرها، لكننا لسنا معصومين من الخطأ؛ فإن وجدتم زللاً فيما سبق، فنحن نرحب بالتصويب ونفضله على ترك الخطأ.
اللهم ﷻ، إنا نسألك بأسمائك الحسنى أن تجعلنا ممن تحبهم وترضى عنهم.