قرآن غاليري المدونة · المقالات
الحوقلة: كنز من كنوز الجنة في سبع كلمات
سبع كلمات عربية وصفها النبي صلى الله عليه وسلم بأنها كنز من كنوز الجنة، وهي ليست دعاءً أو طلباً، بل إقرار بحقيقة من بيده القوة، وقد جعلتها السنة النبوية في الأذان، وعند الشدائد، وفي كل أمر يفوق طاقة العبد.
قراءة 5 دقيقة4 مصدرTasbih
الكاتب:فريق معرض القرآن
سبع كلمات يرددها المسلمون عشرات المرات في يومهم، ربما دون التفات عميق إلى حقيقة ما تقرره:
لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ تُعرف هذه العبارة باسم «الحوقلة»، وهو مصطلح نحته العرب اختصاراً لجملة تتكرر، على غرار «البسملة» لقولنا «بسم الله»، و«الحمدلة» لقولنا «الحمد لله». وعلى خلاف غالب الأذكار، فإن الحوقلة لا تتضمن طلباً ولا ثناءً، بل هي إقرار بحقيقة واقعة وكفى. ولفهم أهمية ذلك، والسر وراء وصف النبي صلى الله عليه وسلم لها بأنها «كنز» وليس مجرد عمل صالح، لا بد من الوقوف أولاً على الكلمتين اللتين تحملان جوهر معناها.
ما الذي تنفيه كلمتا «الحول» و«القوة»؟
«الحول» هو القدرة على التحول والانتقال من حال إلى حال؛ من المرض إلى الصحة، ومن الفقر إلى الغنى، ومن المعصية إلى الطاعة. أما «القوة» فهي الطاقة اللازمة للفعل بعد الشروع في هذا التحول؛ كالمضي في تنفيذ قرار، أو الثبات على موقف، أو إتمام ما بُدئ به. وحين نجمع الكلمتين مع أداة النفي «لا» وأداة الاستثناء «إلا بالله»، فإن الجملة تقرر حقيقة بالغة الدقة: أن العبد لا يملك القدرة على تغيير حاله، ولا القوة على الاستمرار في أي عمل بعد الشروع فيه، إلا بمقدار ما يمده الله ﷻ بهما.
وقد نقل الإمام النووي في شرحه للحديث الذي أطلق على هذه العبارة وصف «الكنز»، فهم العلماء المتقدمين لها:
قَوْلُهُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهَا كَلِمَةُ اسْتِسْلَامٍ وَتَفْوِيضٍ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَاعْتِرَافٍ بِالْإِذْعَانِ لَهُ، وَأَنَّهُ لَا صَانِعَ غَيْرُهُ وَلَا رَادَّ لِأَمْرِهِ، وَأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا مِنَ الْأَمْرِ. وَمَعْنَى الْكَنْزِ هُنَا أَنَّهُ ثَوَابٌ مُدَّخَرٌ فِي الْجَنَّةِ، وَهُوَ ثَوَابٌ نَفِيسٌ كَمَا أَنَّ الْكَنْزَ أَنْفَسُ أَمْوَالِكُمْ. قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الْحَوْلُ الْحَرَكَةُ وَالْحِيلَةُ، أَيْ لَا حَرَكَةَ وَلَا اسْتِطَاعَةَ وَلَا حِيلَةَ إِلَّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا حَوْلَ فِي دَفْعِ شَرٍّ وَلَا قُوَّةَ فِي تَحْصِيلِ خَيْرٍ إِلَّا بِاللَّهِ. وَقِيلَ: لَا حَوْلَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إِلَّا بِعِصْمَتِهِ وَلَا قُوَّةَ عَلَى طَاعَتِهِ. — شرح النووي على مسلم، الصفحة المطبوعة 17/26 من كتاب .
ثلاثة تفسيرات تتوالى، لكنها تلتقي عند نقطة واحدة: أنك كيفما قلّبت العبارة — سواء في دفع الضر، أو جلب النفع، أو الثبات على الطاعة، أو الكف عن المعصية — فالنتيجة أن العبد لا يملك من أمر نفسه شيئاً. والمطلوب منه هو الإقرار بهذا العجز، لا محاولة تغييره.
لماذا وصفها النبي بأنها كنز؟
اكتسبت العبارة هذا الوصف من موقف محدد، رواه البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه:
كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ فِي سَفَرٍ، فَكُنَّا إِذَا عَلَوْنَا كَبَّرْنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ: أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ؛ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، وَلَكِنْ تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا. ثُمَّ أَتَى عَلَيَّ وَأَنَا أَقُولُ فِي نَفْسِي: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ، قُلْ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ؛ فَإِنَّهَا كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ. — صحيح البخاري، كتاب الدعوات، الصفحة المطبوعة 8/82 من ، وصحيح مسلم، الصفحة المطبوعة 8/73 من .
هناك تفصيلان في هذه الرواية يحملان أهمية تتجاوز مجرد التسمية. الأول: أن أبا موسى لم يكن يجهر بالعبارة، ولم يقلها استجابة لشدة ألمّت به، بل قالها «في نفسه» سراً في منتصف الرحلة، ومع ذلك خصه النبي صلى الله عليه وسلم ببيان فضلها. الثاني: أن البخاري أورد الحديث تحت باب الدعاء عند صعود المرتفعات، فالموضع الطبيعي لهذه العبارة — في ترتيبه للكتاب — هو تلك اللحظة التي تتطلب فيها المهمة التي أمامك جهداً يفوق ما بذلته فيما مضى.
لم تُختر كلمة «كنز» عبثاً، وقد بيّن النووي في شرحه السابق دلالتها: فالكنز هو المال المدخر المحفوظ من الضياع، وليس المال المنفق الزائل. وثواب الحوقلة يعمل بالطريقة ذاتها؛ فهو مدخر لقائله كما يُدخر المال المكنوز لصاحبه، في مأمن من أي شيء قد ينتقص منه. ليس الأمر أن نطق هذه الكلمات عسير، بل العسير هو استحضار حقيقة ما تقرره — من افتقار تام واعتماد مطلق لا تشوبه شائبة — والله ﷻ يجازي على هذا الاستحضار الصادق بعطاء جزيل كنزاً محفوظاً.
موضعها في السنة: عند الأذان
لم تُترك الحوقلة للمناسبات العابرة فحسب، بل جعلت لها السنة النبوية موضعاً ثابتاً في الأذان نفسه. فحين يبلغ المؤذن ندائي العمل — «حي على الصلاة» و«حي على الفلاح» — لا يردد السامع كلماته كما يفعل مع بقية جمل الأذان:
ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ. ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ. — صحيح مسلم، من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الصفحة المطبوعة 2/4 من .
كل جملة أخرى في الأذان هي إعلان — بأن الله أكبر، وأنه لا إله إلا هو، وأن محمداً رسوله — والسامع يكتفي بتأكيدها وترديدها. أما «حي على الصلاة» و«حي على الفلاح» فشأنهما مختلف؛ فهما دعوة إلى العمل، وترديد «حي على الصلاة» في غرفة خاوية لن يكون سوى صدى أجوف. لذا، جاءت الاستجابة التي شرعتها السنة النبوية استجابة صادقة؛ فقبل تلبية هذا النداء، يقر السامع بحقيقة جلية، وهي أن المشي إلى الصلاة، والوقوف فيها، وإتمامها، هو أمر لا يقدر عليه إلا بحول الله وقوته التي تسبق فعله. وتتجلى وظيفة الحوقلة في تلك اللحظة الدقيقة في ضمان ألا تكون الاستجابة لنداء العمل ادعاءً زائفاً بالقدرة الذاتية.
إقرار لا دعاء
من الأهمية بمكان أن نكون دقيقين في تحديد نوع الجملة التي تمثلها الحوقلة، لأن هذا التمييز يقع في صميم العبارة ويفصلها عن غالب الأذكار الأخرى التي تُتلى معها. إنها لا تطلب من الله شيئاً؛ فلا يوجد فيها فعل طلب، ولا صيغة أمر، ولا «ارزقني» أو «أعطني». من الناحية النحوية، هي نفي صريح يتبعه استثناء — إقرار بحقيقة تظل ثابتة سواء نطق بها أحد أم لم ينطق. إن التلفظ بها لا يستجلب قوة كانت محجوبة، بل يعترف بقوة لم تكن يوماً إلا لله.
ولنقارن ذلك بالآية التي يتلوها كل مصلٍ سبع عشرة مرة على الأقل في يومه، في النصف الثاني من سورة الفاتحة:
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ — سورة الفاتحة، 1:5
«وإياك نستعين» موجهة إلى الله ﷻ مباشرة بصيغة المخاطب، داخل سورة بُنيت على هيئة مناجاة بين العبد وربه. إنها تضرع؛ فالعبد يطلب في لحظتها عوناً لا يملكه بعد. أما الحوقلة فلا تفعل أياً من ذلك؛ فهي تُقال عن الله ﷻ بصيغة الغائب، ولا تُوجه لأحد بعينه، ولا تطلب شيئاً جديداً — بل تكتفي بتقرير ما كان وما يزال كائناً. «الاستعانة» عبادة تُوجه لله، بينما الحوقلة عقيدة يُقر بها العبد عن الله. الأولى طلب يُرفع في لحظة الحاجة، والثانية حقيقة قائمة سواء وُجدت الحاجة أم لم توجد — وهذا تحديداً ما يجعلها مناسبة لصعود المرتفعات بقدر مناسبتها لأشد الأزمات، وهو ما يفسر قراءة العلماء لها على أنها «استسلام» و«تفويض» لا «دعاء».
ولهذا السبب أيضاً، كان موضعها الطبيعي هو عتبة كل أمر يعجز المرء عن حمله بقوته الذاتية؛ كسفر يفوق طاقته، أو مرض يستنفد صبره، أو مهمة تنتظره خلف باب يود لو لم يضطر لعبوره. لا شيء في هذه العبارة يغير من صعوبة ما يواجهه، بل ما يتغير هو إدراكه لمصدر القوة التي سيواجه بها تلك الصعوبة. وهذا الإدراك، متى ما نُطق بصدق واستُحضر معناه بالكامل، هو ما أُخبر الصحابي بأنه يزن كنزاً.
قد لا يبدو قولها مرة واحدة أمراً ذا شأن. لكن قولها بوصفها حقيقة راسخة تصف كيف يسير هذا العالم حقاً — في كل مرة تواجه فيها مهمة تفوق ما تملكه من أسباب — هو ما قصده النبي صلى الله عليه وسلم حين أشار إلى هذه الكلمات السبع وسماها كنزاً. وللاطلاع على المجموعة الأوسع من الأذكار اليومية التي أهدتها السنة للمؤمن، مع مصادرها ومواضعها الصحيحة في اليوم، يمكنك زيارة مكتبة الأذكار.
متابعة
Tasbih
ذات صلة
Tasbih التسبيح والتحميد والتكبير: ثلاث كلمات أثقل في الميزان مما تبدو عليه التسبيح والتحميد والتكبير من أكثر الكلمات التي يكررها المسلم في حياته، وكل منها يحمل دلالة عقدية فريدة عن الله؛ فواحدة تنفي عنه كل نقص، وأخرى تثبت له كل كمال، وثالثة ترفعه فوق كل مقارنة. وقد وصفتها الأحاديث الصحيحة بأنها خفيفة على اللسان، ثقيلة في الميزان. Tasbih لا إله إلا الله: الكلمة التي تحمل كل شيء أربع كلمات تتردد في الأذان، وفي كل صلاة، ويرجو كل مسلم أن تكون آخر عهده بالدنيا. لكن هذه العبارة ليست مجرد ثناء على الله ﷻ، بل هي نفي يتبعه استثناء، وتركيبها النحوي ذاته يحمل إقرارًا أُخبر الصحابة أنه يرجح بتسعة وتسعين سجلًا من الخطايا. Tasbih العد على الأصابع: كيف كان تسبيح النبي صلى الله عليه وسلم وصف أحد الصحابة ببساطة ما رآه: النبي صلى الله عليه وسلم يعقد تسبيحه بيده مفصلاً بمفصل. وفي حديث آخر تحذير بأن الأصابع التي تعقد التسبيح ستُنطق يوماً ما. فما الغاية الحقيقية من هذا العد البدني؟ وما الذي نفقده حين يصبح بلوغ العدد أهم من استحضار معناه؟
اسأل
اسأل المكتبة عمّا قرأته للتو
كل إجابة تستشهد بالصفحة المطبوعة — طبعة مسمّاة ومجلّد وصفحة — وتقول ذلك حين لا يحسم النص المسألة.
يفتح محادثة معرض القرآن بسؤالك.
