تخطَّ إلى المحتوى
Search blog
Search blog…
كل المقالات

Articles

حال القلب في الدعاء: ما الذي يحرك الإجابة حقا

الوضوء، ورفع اليدين، واستقبال القبلة؛ ذلك هو الشطر الظاهر من الدعاء. أما هذا المقال فيتناول الشطر الذي لا يراه أحد: اليقين، وحضور القلب، والرجاء المقرون بالخوف، وترك الاستعجال في انتظار الإجابة.

الكاتب
فريق معرض القرآن
تاريخ النشر
مدة القراءة
قراءة 4 دقيقة

في مواضع أخرى، يمكنك أن تقرأ عن الهيئة الظاهرة للدعاء؛ من استقبال القبلة، ورفع اليدين، والكلمات التي يُفتتح بها ويُختتم. لكن هذا المقال لا يُعنى بشيء من ذلك. فقد يقف رجلان في ساعة واحدة، رافعين أيديهما بالهيئة ذاتها، ويرددان كلمات متقاربة، ولا يُستجاب إلا لأحدهما. ليس لأن الله ﷻ يحابي أحدا على أحد، بل لأن أحدهما كان صادقا مقبلا بقلبه، بينما كان الآخر يؤدي حركات غادرها قلبه منذ أيام. إن هيئة الدعاء الظاهرة يمكن تعلمها في عشية وضحاها، أما ما سيأتي فهو الأشق، وهو الذي يحدد ما إذا كانت تلك الهيئة ستصل بصاحبها إلى مبتغاه أم لا.

جاء رجل ضرير إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله أن يدعو الله له بأن يرد عليه بصره. فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أنه إن شاء صبر وكان ذلك خيرا له، لكن الرجل أصر على أن يدعو له. وما أمره به النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك هو ما يستحق التأمل:

فأمره أن يتوضأ، فيحسن وضوءه، ويدعو بهذا الدعاء.

أُخرج هذا الحديث في الصفحة المطبوعة 5/536 من طبعة ، وهو حديث قال عنه الترمذي نفسه إنه حسن صحيح غريب. تأمل الترتيب هنا: لم يقل له “اسأل، ثم اعمل شكرا لله إن أُجبت”، بل أمره بالعمل أولا ثم السؤال. إن تقديم العمل الصالح بين يدي الدعاء ليس ثمنا يطلبه الله ﷻ -فإنه سبحانه غني عن العالمين- بل هو برهان على صدق السائل وجديته. فالذي يرجو شيئا بصدق يسعى إليه، ولا يقف مكانه يصرخ طالبا إياه راجيا أن يأتيه طوعا. إن وضوءا تسبغه، أو ركعتين تصليهما بحق، أو دينا يسيرا تقضيه، أو اعتذارا طال انتظاره تقدمه قبل أن تدعو بصلاح ذات البين؛ كل ذلك يثبت لقلبك، قبل أن تقف بين يدي الله ﷻ، أنك صادق فيما أنت مقدم على سؤاله. فالدعاء الذي لا يكلفك شيئا يسهل أن يخرج من قلب غافل، أما الدعاء الذي يسبقه عمل صالح فقلما يكون كذلك.

ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة.

أخرج الترمذي هذا الحديث أيضا في الصفحة المطبوعة 5/465 من طبعة ، وهو حديث ذكر أنه لا يُعرف إلا من هذا الوجه. واليقين هنا لا يعني أن تفترض أن الله ﷻ سيعطيك النتيجة التي رسمتها في مخيلتك بحذافيرها؛ فذلك وعد لم يقطعه لك أحد. بل اليقين هو الثقة في الوعد الذي قطعه الله ﷻ على نفسه:

﴿فَإِنِّى قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾

البقرة: 186

ليس هذا وعدا مشروطا بنتائج معينة، بل هو وعد مطلق بسماع الدعاء. وفي الفجوة بين هذين الأمرين يكمن جل شكنا أثناء الدعاء، وسد هذه الفجوة هو ما يتطلبه منك هذا اليقين.

لا يتوقف الحديث ذاته عند اليقين، بل يكمل قائلا: «واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه». وهذا الشطر هو الأصعب في التطبيق. فمن الممكن تماما أن تردد الكلمات الصحيحة، وتستقبل القبلة، وترفع يديك في اللحظة المناسبة، ومع ذلك لا تقول شيئا؛ لأن اللسان تحرك من تلقاء نفسه بينما كان القلب في واد آخر، منشغلا بمهام اليوم أو مستحضرا جدالا مضى. إن الدعاء على هذه الشاكلة ليس إلا جسدا يؤدي حركات، لا عبدا يناجي ربه. ويمكنك أن تختبر نفسك بصدق: ما إن تفرغ من دعائك، اسأل نفسك عما طلبته للتو. فإن كان الجواب فراغا، فاعلم أن المشكلة لم تكن قط في الكلمات. إن إدراك ما تسأله وممن تسأله ليس مجرد معلومات ثانوية؛ بل هو الروح التي تحيل التلاوة إلى مناجاة.

﴿ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾ ﴿وَلَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَـٰحِهَا وَٱدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾

سورة الأعراف، 7: 55-56

تحمل هاتان الآيتان توجيهين يخالفان ما اعتدنا عليه في طلب الحاجات من البشر. الأول: أن تدعو خفية؛ فخفض الصوت ليس دليلا على ضعف الثقة، بل هو حال من يوقن أنه مسموع بالفعل، ولا يحتاج إلى استعراض حاجته أمام أحد. والثاني: أن تجمع بين الخوف والرجاء ولا تقتصر على أحدهما. فالخوف وحده ينحدر بصاحبه إلى اليأس، والرجاء وحده يفسد القلب ويورثه الغرور. فالعبد الذي يغلب عليه الخوف ينقطع عن الدعاء، والعبد الذي يغلب عليه الرجاء يتوقف عن إصلاح نفسه. أما الدعاء الصادق فيحمل الأمرين معا: رجاء في رب كريم لا يضيع نداءك، وخوفا من تقصيرك يورثك الانكسار بين يديه وأنت تدعوه.

يُستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي.

أُخرج هذا الحديث في صحيح البخاري، في الصفحة المطبوعة 5/2335 من طبعة ، وكذلك في صحيح مسلم. ثمة صورة من صور “الإلحاح” تبدو في ظاهرها تعبدا، لكنها في حقيقتها تناقض اليقين الذي افتتحنا به هذا المقال: كأن يدعو المرء أسبوعا، فلا يرى ما يشبه الإجابة، فيخلص في صمت إلى أن الدعاء لا ينفع، أو على الأقل أن دعاءه هو الذي لم ينفع. وهذا الاستنتاج هو عين ما يحذر منه هذا الحديث. إن الإلحاح الصادق هو أن تواصل الدعاء دون أن تنصب نفسك حكما على موعد الإجابة وكيفيتها؛ بل تعتبر التأخير حكمة بالغة لله ﷻ، لا دليلا تحتج به على عدم الاستجابة. فالعبد الذي يثق حقا بمن يسأله لا يضع وقتا محددا لانتهاء صلاحية دعائه. إن الحالتين اللتين وصفهما هذا المقال -اليقين بالإجابة، وترك الاستعجال- لا يتعارضان؛ بل هما وجهان لثقة واحدة، يُنظر إليها من كلا جانبي الانتظار.

ليس شيء من هذه الأحوال المذكورة آنفا حيلة لانتزاع شيء من الله ﷻ. بل هي الصورة الحقيقية لصدقك فيما تقول حين تقوله؛ انكسار غير متكلف، ورجاء غير ساذج، وصبر لا يفسده الشك في وعد من بيده مقاليد الأمور. وإذا أردت مرجعا تعود إليه لترسيخ هذه المعاني في قلبك يوميا، وليس فقط في أوقات الشدة، فإن الأدعية والأذكار المجموعة في /adhkar قد صُممت خصيصا لهذا النوع من التكرار الهادئ. نسأل الله ﷻ أن يرزقنا حضور القلب في كل مرة نرفع فيها أيدينا، وأن يغفر لنا كل مرة غفلت فيها قلوبنا.