Articles
السور الثلاث الأخيرة: تلاوة تكفيك من كل شيء
وقف أحد الصحابة ذات ليلة مظلمة ومطيرة يحاول اللحاق برسول الله صلى الله عليه وسلم، فتلقى منه تلاوة مكونة من ثلاث سور ارتبطت بوعد استثنائي: أنها تكفيه من كل شيء. نستعرض هنا أين دُوّن هذا الوعد تحديدًا، وما تتميز به كل سورة من هذه السور الثلاث.
- الكاتب
- The Quran Gallery team
- تاريخ النشر
- مدة القراءة
- قراءة 3 دقيقة
يُختتم القرآن الكريم بثلاث من أقصر سوره: سورة الإخلاص، وسورة الفلق، وسورة الناس، بمجموع اثنتي عشرة آية فقط. لكن القصر هنا لا يعني قلة الشأن؛ فلكل سورة منها فضلها الخاص الثابت في السنة، وتجتمع الثلاث معًا في وعد محدد من النبي صلى الله عليه وسلم: من قرأها ثلاث مرات حين يصبح وحين يمسي، كفته من كل شيء. إنه وعد عظيم يخص اثنتي عشرة آية، مما يجعل من الأهمية بمكان العودة إلى مصدر هذا الحديث وقراءة السياق الذي ورد فيه.
يروي معاذ بن عبد الله بن خبيب عن أبيه أحداث ليلة بعينها، حيث قال: “خرجنا في ليلة مطر وظلمة شديدة نطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي لنا، فأدركناه فقال: قل. فلم أقل شيئًا، ثم قال: قل. فلم أقل شيئًا، ثم قال: قل. فقلت: يا رسول الله، ما أقول؟ قال: قل هو الله أحد والمعوذتين حين تمسي وحين تصبح ثلاث مرات تكفيك من كل شيء”.
دُوّن هذا الحديث في كتاب ، برقم 5082، في أبواب النوم ضمن كتاب الأدب. وقد حسّن المحققون إسناده، وأشاروا إلى أن الترمذي أورد الرواية ذاتها وقال عنها: “حسن صحيح غريب من هذا الوجه”، وهما حكمان مستقلان يخلصان إلى النتيجة ذاتها حول نفس المتن.
﴿قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدٌۢ﴾
(112:1–4)
على خلاف السورتين اللتين تليانها، لا تتضمن سورة الإخلاص أي دعاء أو مسألة، بل تقتصر على بيان صفة الله جل جلاله: الأحد، الذي يفتقر إليه كل شيء ولا يفتقر إلى أحد، لم يلد ولم يولد، وليس له مثيل ولا شبيه. وقد سُمع رجل ذات ليلة يردد هذه السورة وحدها مرارًا وتكرارًا، وكأن أربع آيات لا تكفي لتُعد تلاوة حقيقية. فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم في الصباح، قال: “والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن”. ورد هذا الحديث في كتاب ، برقم 4726، في كتاب فضائل القرآن، ليكون بمثابة رد من صحيح البخاري نفسه على كل من يظن أن أربع آيات لا تحمل قدرًا كبيرًا من الفضل.
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلْفَلَقِ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ وَمِن شَرِّ ٱلنَّفَّـٰثَـٰتِ فِى ٱلْعُقَدِ وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾
(113:1–5)
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ مَلِكِ ٱلنَّاسِ إِلَـٰهِ ٱلنَّاسِ مِن شَرِّ ٱلْوَسْوَاسِ ٱلْخَنَّاسِ ٱلَّذِى يُوَسْوِسُ فِى صُدُورِ ٱلنَّاسِ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ﴾
(114:1–6)
تغطي هاتان السورتان في إحدى عشرة آية طيفًا واسعًا من الشرور: شرور الخلق عمومًا، ومخاطر الليل المظلم، والسحر، والحسد، وأخيرًا الوسواس الذي يتسلل إلى داخل الإنسان، سواء كان مصدره خفيًا من الجن أو بشريًا خالصًا. وقد روى عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له مباشرة: “ألم تر آيات أنزلت الليلة لم ير مثلهن قط؟” يقصد المعوذتين. ورد هذا الحديث في كتاب ، برقم 814، في باب فضل قراءة المعوذتين.
تتجلى أوضح صورة لكيفية استخدام هذه السور في الواقع من خلال وصف عائشة رضي الله عنها لما كان يفعله النبي صلى الله عليه وسلم كلما اشتكى من مرض؛ إذ كان يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث في يديه، ثم يمسح بهما جسده. وتقول: “فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح بيده رجاء بركتها”، وذلك في مرضه الذي توفي فيه. وردت هذه الرواية في كتاب ، برقم 4439، في باب مرضه ووفاته.
هذا التفصيل الدقيق — زوجة تعتني بزوجها في مرضه الأخير مستعينة بذات التلاوة التي اعتمد عليها طوال حياته — يقدم صورة أعمق وأشمل لمعنى “تكفيك من كل شيء” مقارنة بأي سرد مجرد للفضائل. لم تكن هذه السور مجرد كلمات تُتلى ويُمر عليها مرور الكرام، بل كانت الملاذ الذي يُلجأ إليه في أشد اللحظات قسوة.
اثنتا عشرة آية، يحفظها تقريبًا كل من يقرأ القرآن منذ صغره، ويسهل ترديدها دون التوقف عند معانيها الحقيقية: سورة تصف الله عز وجل دون أن تطلب منه شيئًا، وسورتان تسردان بوضوح ودون مواربة الأشياء المحددة التي يخشاها الإنسان — الليل، والسحر، والحسد، والصوت الداخلي — وتسألان الله مباشرة الحماية من كل منها. إن قراءتها بتأنٍ، صباحًا ومساءً، ليست مجرد صيغة روتينية، بل هي مناجاة تُكرر عن قصد، مرتين في اليوم، ما دام في العمر بقية.
اقرأ السور الثلاث كاملة على qurangallery.com/quran. وإذا وجدت أن أي اقتباس في هذا المقال لا يتطابق مع الصفحة المذكورة، فأخبرنا — فهذا هو السبب الذي يجعلنا نذكر المصدر.
نسأل الله ﷻ أن يجعل تلاوة هذه السور الثلاث كافية لنا، من كل شر لا ندركه ولا نبصره.