تخطَّ إلى المحتوى
Search blog
Search blog…
كل المقالات

Articles

يوم عرفة: العتق من النار، وأي الروايات تعد بذلك حقا

يحمل يوم عرفة أعظم وعد ارتبط بأي يوم في العام، غير أن الروايات التي تنقل هذا الوعد ليست على درجة واحدة من القوة. نستعرض هنا ما جاء في صحيح مسلم، وما قاله الترمذي عن أكثر أحاديثه تداولا حول يوم عرفة، وروايتين شهيرتين بحثنا عنهما ولم نستخدمهما.

الكاتب
فريق معرض القرآن
تاريخ النشر
مدة القراءة
قراءة 7 دقيقة

ذكر القرآن الكريم هذا المكان باسمه مرة واحدة، وجاء ذكره كمن يسمي مكانا يعرفه الجميع مسبقا؛ بلا وصف ولا شرح، بل مجرد توجيه لما ينبغي فعله عند الإفاضة منه:

… فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَـٰتٍ فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ …

سورة البقرة، 2:198

هذا هو كل ما ورد في القرآن الكريم من ذكر للمكان باسمه. أما كل ما قيل سوى ذلك عن اليوم التاسع من ذي الحجة — من أن الله يعتق فيه من النار أكثر مما يعتق في أي يوم آخر، وأنه يباهي بجموع الواقفين ملائكته، وأن صيامه يكفر سنتين، وأن الشيطان لا يُرى أصغر مما يُرى في عشية ذلك اليوم — فمصدره الأحاديث النبوية. وهذه الأحاديث ليست على درجة واحدة من القوة؛ فبعضها مروي في «صحيح مسلم»، وبعضها الآخر نُشر مصحوبا بنقد جامعه للراوي في السطر الذي يليه مباشرة، وهي حقيقة يغفل عنها تقريبا كل من يستشهد به. إن سرد هذه الأحاديث كلها في سياق واحد دون تمييز يُفقد القارئ أهم معلومة يمكن أن ينتفع بها.

أورد الإمام مسلم هذا الحديث في باب سماه «بَاب فِي فَضْلِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَيَوْمِ عَرَفَةَ». وفيه تروي عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ، مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ. وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ. فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟

— صحيح مسلم، الصفحة المطبوعة 2/982 من ، حديث رقم 1348، عن عائشة.

تحمل هذه الجملة ثلاث بشارات مستقلة، وغالبا ما تُغفل الثالثة عند تناقل الحديث. الأولى: صيغة تفضيل تفيد بأن العتق من النار في هذا اليوم يفوق أي يوم آخر في العام. والثانية: الدنو والاقتراب. والثالثة: سؤال — مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟ — يطرحه العليم الذي لا تخفى عليه خافية. إنه سؤال يشبه سؤال المضيف عن ضيوف تجشموا عناء سفر طويل من أجل غاية يسيرة؛ فهو ليس استفهاما لطلب المعرفة، بل أسلوب لإظهار فضلهم أمام الحاضرين. وهؤلاء الحاضرون هم الملائكة.

وقد حُفظت في «المسند» رواية أطول لهذا التباهي، عن عبد الله بن عمرو:

إِنَّ اللهَ يُبَاهِي مَلَائِكَتَهُ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بِأَهْلِ عَرَفَةَ، فَيَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي، أَتَوْنِي شُعْثًا غُبْرًا

— مسند أحمد، الصفحة المطبوعة 11/660 من ، حديث رقم 7089، عن عبد الله بن عمرو. وقد أشار محققو هذه الطبعة في الصفحة ذاتها إلى أن إسناده «لا بأس به»، وأحالوا إلى رواية شاهدة عن أبي هريرة ترد لاحقا في المسند.

التفصيل الذي يستحق التوقف عنده هنا هو محل الثناء: «شُعْثًا غُبْرًا». ليسوا في أبهى حلة، ولا في كامل أناقتهم، ولا يتفوهون ببليغ القول. إن الهيئة التي يُباهى بها أمام الملائكة هي ذاتها الهيئة التي قد يخجل الحاج من أن تُلتقط له صورة عليها؛ وإنما كانت محل مباهاة لما تكبده صاحبها من مشقة لبلوغها.

إذا كانت هناك عبارة عن يوم عرفة تتداول أكثر من غيرها، فهي هذه العبارة، وما يقترن بها من ذكر:

خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

— جامع الترمذي، الصفحة المطبوعة 5/541 من ، حديث رقم 3585، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده.

وإذا واصلت القراءة حتى نهاية الموضع ذاته، ستجد أن الترمذي يقيم الحديث بنفسه في متن كتابه قائلا:

هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ، وَهُوَ أَبُو إِبْرَاهِيمَ الْأَنْصَارِيُّ الْمَدِينِيُّ، وَلَيْسَ هُوَ بِالْقَوِيِّ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ

ليس هذا تقييما متأخرا من محقق معاصر، بل هو كلام جامع الكتاب نفسه، مدونا على الصفحة ذاتها، مبينا موضع الضعف في إسناده في القرن الثالث الهجري. وهو تعقيب ظل ملازما للحديث طوال هذا الوقت.

ومع ذلك، فإن فضل هذا الذكر لا ينتقص منه شيء؛ لأنه ثابت بأسانيد أقوى بكثير في مواضع أخرى، ومكافأته مقدرة بالعملة ذاتها التي يُتداول بها في هذا اليوم:

مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ …

— صحيح البخاري، الصفحة المطبوعة 8/85 من ، حديث رقم 6403، عن أبي هريرة، في الباب الذي سماه البخاري «بَاب فَضْلِ التَّهْلِيلِ».

وهكذا يبقى العمل بهذا الذكر قائما رغم ضعف سنده في سياق عرفة: قله يوم عرفة، وقله مائة مرة، وثوابه ثابت في «صحيح البخاري» دون الحاجة إلى ربطه بيوم عرفة أصلا. أما ما لا يثبت فهو صيغة التفضيل المحددة — خير الدعاء — التي تعتمد على راوٍ نبه عليه جامع الحديث نفسه. وتأمل بم قُدر الثواب: «عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ». ففي اليوم الذي يتجلى فضله في عتق الله لعباده من النار، نجد أن الذكر المستحب فيه يُقاس ثوابه بعتق الرقاب.

صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ. وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ

— صحيح مسلم، الصفحة المطبوعة 2/818 من ، حديث رقم 1162، عن أبي قتادة.

هناك دلالتان في النص العربي غالبا ما تتجاوزهما التلخيصات. الأولى في الفعل «أَحْتَسِبُ» — أي أرجو من الله وأطمع في فضله — وهي لغة تعبر عن حسن الظن برب كريم، لا لغة من يقدم فاتورة ينتظر سدادها. والثانية أن الجملة ذاتها، وفي السياق نفسه، تجعل صيام عاشوراء مكفرا لسنة واحدة مقابل سنتين لعرفة. فاليوم لا يوصف بالعظمة فحسب، بل يُصنف في مرتبة تعادل ضعف ما يليه في قائمة النبي صلى الله عليه وسلم.

وهذا هو الوعد الوحيد في هذا اليوم الذي لا يكلف سوى الجوع. وهو مرتبط بعمل متاح في أي مدينة على وجه الأرض، في يوم يقع حدثه الأكبر في وادٍ لن يقف فيه معظم أبناء الأمة. أما مسألة صيام من يقف بعرفة فعلا، فهي مسألة فقهية مستقلة حسمها الفقهاء بناء على روايات أخرى؛ فهذا الحديث لا يتطرق إليها.

أورد الإمام مالك في «الموطأ»:

مَا رُئِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا، هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ وَلَا أَدْحَرُ وَلَا أَحْقَرُ وَلَا أَغْيَظُ، مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ. وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا رَأَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ، وَتَجَاوُزِ اللَّهِ عَنِ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ، إِلَّا مَا أُرِيَ يَوْمَ بَدْرٍ

— موطأ مالك، الصفحة المطبوعة 1/422 من ، حديث رقم 245.

اقرأ الآن الإسناد تماما كما أثبته مالك قبل المتن: مالك، عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن طلحة بن عبيد الله بن كريز — أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال. ينتمي طلحة إلى جيل التابعين، ولم يُذكر اسم أي صحابي بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم، والرواية لا تدعي وجوده. هذه الفجوة لها مصطلح فني — إذ يُسمى هذا النوع من الروايات بالحديث «المرسل» — وهو السبب الذي يجعل هذه الرواية في مرتبة مختلفة عن رواية مسلم، مهما تكرر الاستشهاد بهما جنبا إلى جنب وكأنهما من الدرجة ذاتها.

ومع ذلك، فإننا نوردها هنا لأنها موجودة بالفعل في «الموطأ»، وبإمكان أي شخص أن يفتح الصفحة ويقرأ الإسناد بنفسه. وإنما نلفت الانتباه إلى هذا الأمر لأنه الجزء الذي يُغفل دائما عند الاستشهاد بالحديث.

كل ما سبق هو وعود بما يفعله الله في هذا اليوم. وهناك أمر آخر قيل فيه — وهو إعلان اكتمال الدين:

… ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلْإِسْلَـٰمَ دِينًا …

سورة المائدة، 5:3

وقد حدد عمر بن الخطاب رضي الله عنه تاريخ نزولها بدقة — كان النبي صلى الله عليه وسلم واقفا بعرفة، وكان يوم جمعة: صحيح البخاري، الصفحة المطبوعة 1/18 من ، حديث رقم 45. فاليوم الذي يحمل كل الوعود السابقة هو ذاته اليوم الذي أُعلن فيه اكتمال الدين، وهذا جزء من السبب الذي جعل هذه الوعود ترتبط به دون غيره من الأيام.

تدني الشمس، يوم القيامة، من الخلق، حتى تكون منهم كمقدار ميل … فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق. فمنهم من يكون إلى كعبيه. ومنهم من يكون إلى ركبتيه. ومنهم من يكون إلى حقويه. ومنهم من يلجمه العرق إلجاما

— صحيح مسلم، الصفحة المطبوعة 4/2196 من ، حديث رقم 2864، عن المقداد بن الأسود، في باب صفة القيامة.

اقرأ هذا الوصف ثم انظر إلى حال الواقف بعرفة: حشود هائلة في صعيد واحد، يرتدون جميعا لباسا بسيطا موحدا لا يميز رتبة أحد منهم، تحت شمس مكشوفة، لا يملكون سوى الانتظار والدعاء. هذا التطابق ليس قراءة شعرية أُسقطت على المشهد لاحقا؛ بل هو تطابق بنيوي في كل تفاصيله. حتى الصوت قد وُصف سلفا:

يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ ٱلدَّاعِىَ لَا عِوَجَ لَهُۥ ۖ وَخَشَعَتِ ٱلْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَـٰنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا

سورة طه، 20:108

فارق واحد يفصل بين الموقفين، وهو الفارق كله. في أحدهما، يكون الحكم قد كُتب وانتهى. وفي الآخر، لا يزال الحكم يُطلب، بصوت مسموع، من جموع يصفهم الله لملائكته وهم يتضرعون.

الرواية الأولى هي تلك التي يبلغ فيها جبريل سلام الله عند الغروب، وبشارة مغفرة الله لأهل عرفات والمزدلفة، وسؤال عمر عما إذا كان ذلك خاصا بهم. لقد بحثنا عن نصها العربي في الطبعات التي نعتمد عليها — البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، ومسند أحمد، والموطأ — ولم نعثر عليها في أي صفحة منها. بل تظهر في مصنفات متأخرة جدا تنقل عن مصادر أقدم بالواسطة. هذا ليس حكما على الرواية؛ بل هو إقرار صادق بأننا لم نتمكن من توثيقها برقم صفحة، ولذا لم ندرجها في هذا المقال.

الرواية الثانية هي وصف ابن عباس للنبي صلى الله عليه وسلم وهو يدعو بعرفة رافعا يديه إلى صدره كالمسكين المستطعم. أخرجها البيهقي، وهو خارج نطاق الدواوين التي نبحث فيها، والمراجع التي أوردتها تذكر أيضا تضعيفها. آثرنا استبعادها على أن نقدمها كسنة نبوية موثقة — وهو أمر مؤسف، لأنها صورة بديعة، ولهذا السبب تحديدا ينبغي توخي الحذر في نقلها.


إن كان فيما سبق أي خطأ — سواء في صياغة لم توفق في نقل المعنى، أو إحالة غير دقيقة، أو حكم على حديث بثقة تتجاوز ما تسمح به المصادر — فنرجو إبلاغنا. فالغاية الأساسية هي إمكانية التحقق والمراجعة، وتصويب الخطأ أحب إلينا من أن يبقى المقال دون تمحيص.

نسأل الله ﷻ أن يجعلنا ممن يعتق رقابهم من النار في ذلك اليوم، سواء كنا وقوفا في ذلك الوادي، أو صائمين على بعد آلاف الأميال منه.