تخطَّ إلى المحتوى
Search blog
Search blog…
كل المقالات

Articles

القرب الكامن وراء الدعاء: لماذا جُعل رمضان شهرًا للدعاء

لا يقتصر دور رمضان على إفساح المجال للدعاء فحسب، بل إن آيات الصيام في القرآن الكريم، وأربعة أوقات حددتها الأحاديث النبوية بالاسم، قد جُعلت خصيصًا للحث عليه. نظرة على السر وراء إجابة الله ﷻ المباشرة في سورة البقرة، والأوقات التي تخبرنا المصادر أن الإجابة فيها أقرب ما تكون.

الكاتب
فريق معرض القرآن
تاريخ النشر
مدة القراءة
قراءة 4 دقيقة

الصيام هو الشعيرة التي تبرزها كل التقويمات في رمضان، لكن الدعاء هو السر الذي يفسر الغاية من تشريع هذا الشهر أصلًا. فإذا امتنعت عن الطعام والشراب دون أن تتوجه إلى الله ﷻ بالدعاء، فكأنما اتبعت حمية غذائية ولم تقم بعبادة. وقد بيّن القرآن الكريم ذلك بوضوح في ذات الموضع الذي شرع فيه الصيام، كما حددت الأحاديث النبوية بدقة بالغة الأوقات التي يُرجى فيها إجابة الدعاء في الليل والنهار.

إذا تأملت آيات الصيام في سورة البقرة، ستجد آية واحدة تكسر النمط المتبع في السياق القرآني المحيط بها. ففي مواضع أخرى من القرآن، عندما كان الصحابة يطرحون سؤالًا على النبي صلى الله عليه وسلم، كانت الإجابة تأتي عادةً موجهة من خلاله: “يسألونك… قل…“. لكن الأمر اختلف هنا.

وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا۟ لِى وَلْيُؤْمِنُوا۟ بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ

— سورة البقرة، 2:186

لا توجد كلمة “قل” في هذه الآية. فقد أجاب الله ﷻ بصيغة المتكلم، في منتصف الآية، دون أي واسطة في التبليغ. وإذا نظرت إلى موقعها بين أحكام الصيام والسفر وقضاء الأيام الفائتة، ستجد أنها لا تبدو كحكم فقهي بقدر ما تبدو كبابٍ تُرِك مفتوحًا؛ لتوحي بأنه مهما بلغت مشقة الصيام، فإن المسافة بين السائل والمَسؤول لم تكن موجودة أصلًا.

لم تترك الأحاديث النبوية مسألة “الدعاء في رمضان” كتوجيه عام، بل حددت أوقاتًا بعينها، ورد في كل منها نص خاص.

أثناء الصيام. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمُ: الصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ، وَالْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ يَرْفَعُهَا اللهُ فَوْقَ الْغَمَامِ، وَيَفْتَحُ لَهَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ، وَيَقُولُ الرَّبُّ: وَعِزَّتِي لَأَنْصُرَنَّكَ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ

— سنن الترمذي، النسخة المطبوعة صفحة 5/548 من ، حديث رقم 3598، وحسّنه الترمذي نفسه في الصفحة ذاتها.

عند الإفطار. عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

إِنَّ لِلصَّائِمِ عِنْدَ فِطْرِهِ لَدَعْوَةً مَا تُرَدُّ

— سنن ابن ماجه، النسخة المطبوعة صفحة 2/636 من ، حديث رقم 1753.

في الثلث الأخير من الليل. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

يَنْزِلُ رَبُّنَا كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ

— صحيح البخاري، النسخة المطبوعة صفحة 1/384 من ، حديث رقم 1094، برواية أبي هريرة.

في السجود. عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال، بعد أن نُهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود:

أَلَا وَإِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا. فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ. وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ. فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ

— صحيح مسلم، النسخة المطبوعة صفحة 1/348 من ، حديث رقم 479، برواية ابن عباس.

لا يقتصر أي من هذه الأوقات الأربعة على رمضان وحده؛ فالسجود حاضر في كل صلاة طوال العام. لكن ما يميز رمضان هو أنه يجمعها كلها في آن واحد: فهو شهر ينتهي فيه كل يوم بالإفطار، ويستمر فيه الصيام حتى تلك اللحظة، وتدفع فيه صلاة التراويح وقيام الليل الكثيرين إلى إدراك الساعات التي وصفها الحديث الأخير. إن هذا الشهر لا يبتكر فرصًا جديدة للدعاء بقدر ما يضاعف الفرص المعتادة ثلاثين مرة.

وقد ورد الأمر بالدعاء بوضوح تام في موضع آخر من القرآن الكريم:

وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدْعُونِىٓ أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ

— سورة غافر، 40:60

جمعت الآية بين الدعاء والعبادة في سياق واحد، فجعلت الاستكبار عن الدعاء والامتناع عنه ضربًا من الكبر لا من التواضع. هذا السياق يغير نظرتنا للغاية من الدعاء؛ فهو ليس مجرد معاملة يُدفع فيها الثناء كرسوم قبل تلبية الطلب، بل هو الغاية في حد ذاته، وهو إقرار من السائل بأنه لا يملك شيئًا، وأن المَسؤول بيده كل شيء.

ويضرب لنا نبي الله موسى عليه السلام أروع الأمثلة على هذا الإقرار الصادق الخالي من أي تكلف. فبعد فراره من مصر، وحيدًا معدمًا في مدين، وما إن انتهى من سقي الغنم لامرأتين غريبتين، حتى تولى إلى الظل وقال:

فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰٓ إِلَى ٱلظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّى لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ

— سورة القصص، 28:24

لم يسبق دعاءه سرد لأسماء الله الحسنى، ولا صيغة منمقة. بل هو مجرد رجل لا يملك شيئًا، يبث حقيقة حاله للوحيد القادر على تغييره. وتلك هي الحالة التي صُممت الأوقات الأربعة المذكورة أعلاه لاحتضانها؛ فالمطلوب ليس الفصاحة، بل إظهار الافتقار بصدق، في اللحظة التي تخبرنا المصادر أن الدعاء فيها مسموع.


إذا وجدتم أن أيًا من الاستشهادات المذكورة أعلاه لا يتوافق مع قراءتكم للمصادر، فلا تترددوا في إخبارنا؛ فنحن نفضل أن نُقوَّم على أن نستند إلى مرجع لا يحتمل المعنى الذي أوردناه.

تقبل الله ﷻ صيامكم، وسمع كل دعاء ترفعونه في هذا الشهر وفي كل شهر يليه، وأجاب دعواتنا التي لم نتعلم بعد كيف نصوغها.