تخطَّ إلى المحتوى
Search blog
Search blog…
كل المقالات

Articles

خير الصائمين: لماذا يتمحور رمضان حول الذكر

سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم عن أي الصائمين والمصلين والحجاج أعظم أجراً، فكان يتلقى الإجابة ذاتها في كل مرة. إن الصيام والصلاة والصدقة في رمضان ليست عبادات منفصلة، بل الذكر هو الخيط الذي ينتظمها جميعاً.

الكاتب
The Quran Gallery team
تاريخ النشر
مدة القراءة
قراءة 6 دقيقة

أوقف رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ليسأله عن المجاهدين: أيهم أعظم أجراً؟ فأجابه: “أكثرهم لله ذكراً”. ثم سأله عن الصائمين، فكانت الإجابة ذاتها. ثم سأله عن الصلاة، فالزكاة، فالحج؛ أسئلة أربعة أخرى، وإجابات متطابقة. فالتفت أبو بكر إلى عمر وقال: “ذهب الذاكرون بكل خير”. فصدّقه النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً: “أجل”.

هذا الحوار ليس مجرد قصة عابرة عن الفائز في سباق الحسنات، بل هو بيان لما يضفي على العبادة قيمتها الحقيقية في المقام الأول. وتتجلى أهمية هذا المعنى حين تدرك أن رمضان هو الشهر الوحيد الذي يجمع لك كل تلك العبادات في آن واحد؛ فأنت تصوم، وتقوم الليل، وتكثر من الصدقة، وتتلو المزيد من القرآن، وربما تدخر لرحلة الحج إن استطعت. وتخبرنا إجابة النبي صلى الله عليه وسلم أن الرابط بين كل هذه العبادات، والمعيار الذي يحدد قدرها، هو حظها من الذكر.

غالباً ما يُترجم “الذكر” في اللغات الأخرى إلى مجرد “التذكر”، وهو ما يبخسه حقه. فالقرآن يربط الذكر مباشرة بأثر ملموس ومحسوس:

ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ ٱللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ

سورة الرعد، 13:28

“الطمأنينة” هنا تعني سكون ما كان مضطرباً. ورمضان يحمل في طياته أسباباً كثيرة للاضطراب: كالجوع، وسرعة الانفعال في منتصف النهار، والقلق الخفي حول ما إذا كان صيام هذا العام سيحدث تغييراً حقيقياً في نفسك. والآية هنا لا تعرض الذكر كبند إضافي في قائمة المهام إلى جانب الصيام والصلاة، بل تحدده بوصفه العنصر الوحيد في تلك القائمة الذي من شأنه أن يسكن كل ما سواه.

وهناك سبب لهذا السكون يتجاوز مجرد الشعور العابر. ففي الحديث القدسي -الذي يروي فيه النبي صلى الله عليه وسلم كلام ربه- نجد أن القرب الموعود ليس مجازاً:

إِنَّ اللَّهَ ﷿ يَقُولُ: أَنَا مَعَ عَبْدِي إِذَا هُوَ ذَكَرَنِي، وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ

— سنن ابن ماجه، الصفحة المطبوعة 4/707 من ، حديث رقم 3792، وصححه المحققون.

تأمل هذا الحديث بعناية لتجد أن الوعد دقيق بشكل لافت: لم يقل “أجزي عبدي” بل قال “أنا مع عبدي”، ويتحقق ذلك في اللحظة التي تتحرك فيها الشفتان بالذكر. إن الصيام يفرغ اليوم من الطعام والشراب؛ والذكر هو ما ينبغي أن يملأ به يوم رمضان ذلك الفراغ.

لا يتخذ الذكر شكلاً واحداً، وهذا التمييز مهم في كيفية تخطيطك ليومك في رمضان حوله.

النوع الأول هو الذكر المطلق الذي لا يتقيد بصيغة محددة، ولا بوقت معين، ولا حد لأكثره. كأن تتلو القرآن بين مهامك، أو تسبح الله وأنت تنتظر نضج طعام السحور، أو تذكر أسماء الله الحسنى في طريقك إلى المسجد لصلاة التراويح. الاستكثار من هذا الذكر لا يكلفك شيئاً، ولا يمكن بحال أن تبالغ فيه خلال رمضان.

أما النوع الثاني فهو الذكر المقيد؛ كلمات محددة، في أوقات معينة، وبعدد مخصوص: كأذكار الاستيقاظ والنوم، والأذكار دبر كل صلاة، وقبل الطعام، وعند الخروج من المنزل. وهذا النوع لا يغني عنه النوع الأول؛ فهي صيغ مأثورة كان النبي صلى الله عليه وسلم يرددها في هذه اللحظات بالذات، وتكمن قيمتها جزئياً في الانضباط بالعودة إلى الكلمات ذاتها في الوقت نفسه من كل يوم، سواء كنت تشعر بالرغبة في ذلك أم لا.

ويعد رمضان فرصة استثنائية لتحويل النوع الثاني إلى عادة راسخة، لأن الشهر يعيد بطبيعته هيكلة وقتك حول السحور ومواقيت الصلاة والإفطار. ويقوم دليل الأذكار في تطبيق أذكار بضبط أوقات أذكار الصباح والمساء وفقاً لجدول صلواتك الفعلي، ويتتبع عدد المرات للأذكار التي يُسن تكرارها بعدد محدد، مما يضمن استمرار هذه العادة حتى بعد انقضاء حماس الأسبوع الأول من الشهر.

ويظهر المبدأ ذاته -الاستمرارية بدلاً من الاندفاع- في وصف النبي صلى الله عليه وسلم للعبادة الدائمة عموماً، مستخدماً لغة السفر:

لَنْ يُنَجِّيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ، قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِرَحْمَةٍ، سَدِّدُوا، وَقَارِبُوا، وَاغْدُوا، وَرُوحُوا، وَشَيْءٌ مِنَ الدُّلْجَةِ، وَالْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا

— صحيح البخاري، الصفحة المطبوعة 8/98 من ، حديث رقم 6463.

هذا التشبيه بالسفر يطابق تماماً ما يفترضه جدول الأذكار: فالغدوة والروحة (الصباح والمساء) هما مرحلتا رحلة اليوم، وشيء من قيام الليل يبلغ بك مبلغا أبعد مما قد يحققه أي اندفاع مؤقت. لقد حدد النبي صلى الله عليه وسلم أذكار الصباح والمساء تحديداً كركائز تستحق المحافظة عليها، إلى جانب الثلث الأخير من الليل، وهو الوقت الذي تكون فيه مستيقظاً بطبيعة الحال في رمضان، سواء لقيام الليل أو لتناول السحور.

روى الصحابي الجليل معاذ بن جبل رضي الله عنه حديثاً يبين حقيقة ما نحن بصدده:

مَا عَمِلَ آدَمِيٌّ عَمَلًا أَنْجَى لَهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ

— مجمع الزوائد، الصفحة المطبوعة 10/73 من كتاب . عزاه الهيثمي إلى أحمد عن معاذ بن جبل، وأشار إلى أن رجال إسناده رجال الصحيحين باستثناء زياد بن أبي زياد، الذي لم يلق معاذاً؛ وهو انقطاع يجدر الانتباه إليه رغم صحة بقية السند.

وفي الصفحة التالية مباشرة من المصدر ذاته، يعقب الحديث الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم عن المجاهدين والصائمين والمصلين والمتصدقين -وهو الحديث الذي افتتحنا به هذا المقال- أثر آخر عن معاذ، يصف فيه ما اعتبره آخر الكلمات التي تبادلها مع النبي صلى الله عليه وسلم:

أَنْ تَمُوتَ وَلِسَانُكَ رَطْبٌ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ

— أخرجه ابن حبان في صحيحه، الصفحة المطبوعة 3/100 من كتاب .

سأل معاذ النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة، في لقاء ربما أدرك كلاهما أنه الأخير بينهما، عن أحب الأعمال إلى الله. ولم تكن الإجابة التي تلقاها ونقلها إلينا عبادة محددة، بل كانت حالة ينبغي أن يكون عليها المرء متى حان الأجل، دون تخطيط أو موعد مسبق. إن رمضان لا يضمن لأحد بلوغ رمضان آخر. وفي ضوء ذلك، فإن بناء هذه العادة في هذا الشهر لا يقتصر في حقيقته على هذا الشهر فحسب.

لا يتحقق أي من الفضائل المذكورة آنفاً تلقائياً بمجرد النطق بالكلمات الصحيحة. فالذكر باللسان وحده والذكر بحضور القلب ليسا عملاً واحداً يتفاوت في درجات الجهد، بل هما عملان مختلفان تماماً وإن بدا ظاهرهما متطابقاً. فقولك “الله أكبر” وأنت تستشعر بصدق، ولو للحظة، ضآلتك أمام عظمة من تذكره، يختلف جذرياً عن ترك الكلمتين ذاتهما تمران على لسانك دون تدبر للمرة الألف في ذلك الأسبوع.

ويوسع القرآن المشهد ليتجاوز كلام البشر تماماً:

تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِۦ وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا

سورة الإسراء، 17:44

إذا كان الكون بأسره منخرطاً بالفعل في الذكر بنسق لا تدركه حواس البشر، فإن ذكر المرء لا يضيف صوتاً إلى كون صامت، بل هو انضمام واعٍ إلى تسبيح دائم، على نحو لا يقدر عليه جبل ولا نهر. وهذا هو الفارق الذي يصنعه التفكر؛ أن تنطق بالكلمات ذاتها وأنت تتأمل حقاً في معانيها، سواء بالنظر إلى السماء فوق مائدة الإفطار في رمضان، أو باستشعار الرحمة الخاصة التي أيقظتك لتناول السحور.

لا يتطلب أي من هذا مفردات جديدة أو قائمة مهام أطول. بل يتطلب أن تتعامل مع الأذكار التي ترددها بالفعل -كالتسبيح دبر كل صلاة، والدعاء قبل الإفطار، والقرآن الذي تتلوه في هذا الشهر- بوصفها الروح التي تسري في سائر أعمالك، لا مجرد طقوس شكلية ملحقة بها. حافظ على الأذكار المقيدة في أوقاتها إن لم تستطع فعل شيء آخر؛ ودع الذكر المطلق يملأ الفراغات التي يتركها الصيام. وتضم مكتبة الأذكار أذكار الصباح والمساء، وأذكار ما بعد الصلاة، وعداداً للأذكار التي يُسن تكرارها، تحسباً لئلا تعتمد على ذاكرتك وحدها في هذا الشهر.


إن وجدتم فيما سبق أي خطأ -سواء في صياغة لا تفي بالمعنى العربي، أو استشهاد غير دقيق، أو حكم على حديث بثقة تتجاوز ما يسمح به المصدر- فأخبرونا. فتصويب الخطأ أحب إلينا من بقاء المقال دون مراجعة.

نسأل الله أن يرزقنا ألسنة وقلوباً لا تفتر عن ذكره، في رمضان هذا، وفي أي رمضان يُكتب لنا أن يكون الأخير.