تخطَّ إلى المحتوى
Search blog
Search blog…
كل المقالات

Articles

الاستعداد للركن الخامس: تهيئة جسدك لأداء فريضة الحج

الحج عبادة بدنية بامتياز؛ ففيه ساعات من المشي والوقوف والزحام في أجواء حارة تنهك الجسد غير المستعد. إليك كيفية بناء قدرة التحمل، والتعامل مع الأمراض المزمنة، والتزود للرحلة من الكسب الحلال، وذلك قبل أشهر من سفرك.

الكاتب
The Quran Gallery team
تاريخ النشر
مدة القراءة
قراءة 6 دقيقة

يتطلب الحج من الجسد مجهوداً لا يضاهيه أي ركن آخر من أركان الإسلام بهذه الكثافة. فالصلاة تُقاس بالدقائق، والصيام يمنع الطعام والشراب لكنه لا يغير شيئاً من المسافات التي تقطعها مشياً. أما الحج، فيجمع بين الطواف، والسعي، والمبيت بمنى لعدة أيام، والوقوف بعرفة، والعودة عبر مزدلفة في أيام معدودات، تقضي معظمها سيراً على الأقدام، وغالباً في أجواء شديدة الحرارة، ووسط زحام يقدر بالملايين. كل هذا ليس مجرد تفصيل هامشي في العبادة، بل هو الهيئة التي تتخذها هذه العبادة. والجسد الذي لم يتهيأ لذلك لا يخفق في الجانب الإيماني، بل يخفق في المسير، فيطغى الإرهاق على كل مشاعر الخشوع التي جاء الحاج من أجلها.

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:

«نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالفَرَاغُ»

أُخرج هذا الحديث في الصفحة المطبوعة 5/2357 من . يقرأ معظم الناس هذا الحديث بوصفه تحذيراً عاماً من تضييع الأيام سدى. لكنه ينطبق بدقة متناهية على الأشهر التي تسبق الحج: فأنت الآن في أتم صحتك وتملك من وقت الفراغ ما يسمح لك بالاستعداد البدني قبل سفرك. وما يلي هو دليل عملي لكيفية استغلال هذه الفرصة.

يُتوقع من الحاج المتمتع بصحة جيدة أن يقطع مسافة طويلة سيراً على الأقدام في أكثر أيام الحج ازدحاماً، وهو اليوم العاشر من ذي الحجة؛ حيث يُضاف المشي من منى إلى الجمرات والعودة منها -والذي قد يتكرر عدة مرات- إلى كل ما أُنجز في ذلك اليوم. فالطواف وحده يتطلب سبعة أشواط حول الكعبة، والسعي سبعة أشواط بين الصفا والمروة. ولا توجد مسافات اختيارية يمكنك تقصيرها لمجرد شعورك بالتعب؛ فإما أن تتمها أو لا تتمها، وكل منها يترافق مع زحام بشري لن يبطئ من حركته ليناسب سرعتك.

وتزيد حرارة الجو من مشقة المسافة. فشهر ذي الحجة في مكة ليس معتدلاً، والوقوف بعرفة -وهي ساعات تُقضى في الغالب في العراء- يتزامن مع أشد أوقات السنة حرارة في معظم الدورات الزمنية. أضف إلى ذلك ديناميكية حركة الحشود بهذا الحجم: فأنت نادراً ما تمشي بالسرعة التي تناسبك، بل تساير سرعة الحشد الذي يندفع تارة، ويتوقف تارة، ثم يندفع من جديد. إن الاستعداد للحج يعني التدرب على هذا المزيج: المشي المتواصل، والحرارة، وحركة الحشود غير المتوقعة، وليس التدرب على جهاز المشي في صالة رياضية مكيفة.

ابدأ قبل أشهر، لا قبل أسابيع. إليك خطة بسيطة وواقعية: ابدأ بمشي لمدة 20 إلى 30 دقيقة عدة مرات في الأسبوع، وزد الوقت أو المسافة تدريجياً بدلاً من القفز مباشرة إلى جلسات طويلة لم تعتد مفاصلك عليها بعد. وفي غضون شهرين إلى ثلاثة أشهر، ارفع مستوى تدريبك ليصل إلى جلسات تستغرق ساعة أو أكثر، في أيام متتالية بدلاً من الأيام المتفرقة؛ فالحج لا يمنحك يوم راحة بين أيام المشي الشاقة، لذا يجب ألا يتضمن تدريبك ذلك أيضاً.

هناك تعديلان يجعلان تدريبك أقرب إلى الواقع. أولاً، أضف المرتفعات -كصعود السلالم، أو التلال، أو استخدام جهاز المشي المائل- لأن منى والطرق المحيطة بالجمرات ليست مستوية. ثانياً، تدرّب على المشي بسرعة لا تتحكم فيها كلياً: فالمشي بخطى سريعة ومستمرة مع فترات قصيرة من الحركة الأسرع يحاكي شعور مجاراة حشد متحرك أو الاندفاع معه، وهو أفضل بكثير من المشي البطيء المريح. إذا تمكنت من المشي براحة لمدة ساعتين إلى ثلاث ساعات في أيام متتالية بحلول موعد سفرك، فاعلم أنك قد تدربت على شيء قريب مما سيتطلبه الحج فعلياً.

يحظى الحذاء بأهمية تفوق ما يتوقعه معظم الحجاج. عوّد قدميك على الحذاء الذي تنوي ارتداءه -بما في ذلك نعال الإحرام إذا كنت تنوي ارتداءها- قبل وقت كافٍ من المغادرة. فارتداء حذاء جديد على تضاريس غير مألوفة، والمشي به لأول مرة وسط الزحام، يُعد من أكثر أسباب الألم شيوعاً والتي يمكن تجنبها بسهولة، وهو ألم يشتت انتباه الحاج عن العبادة التي بين يديه.

إذا كنت تعاني من حالة صحية تتطلب رعاية مستمرة -كالسكري، أو ارتفاع ضغط الدم، أو أمراض القلب والمفاصل، أو الربو- فراجع طبيبك قبل حجز رحلتك بوقت كافٍ، وليس في الأسابيع الأخيرة. اسأله بوضوح عما إذا كانت الحرارة، ومجهود المشي، والجدول الزمني الذي تخطط له آمنة لحالتك، واطلب تقييماً مكتوباً إذا لزم الأمر. فالحرارة والمجهود البدني المطول يتفاعلان مع العديد من الأمراض المزمنة الشائعة بطرق يمكن التنبؤ بها والوقاية منها إذا خططت لها، وتصبح خطيرة إذا أهملتها.

احمل أدويتك في عبواتها الأصلية المُلصق عليها بياناتها، وخذ معك كمية تفوق حاجتك المتوقعة، ووزعها على أكثر من حقيبة تحسباً لضياع الأمتعة. كما أن اصطحاب تقرير طبي يصف حالتك والأدوية التي تتناولها -خاصة الحقن أو أي أدوية قد تثير تساؤلات عند نقاط التفتيش- يجنبك الكثير من المتاعب على الحدود. وتأكد من التطعيمات التي تشترطها السلطات السعودية حالياً للحصول على تأشيرة الحج؛ فهذه الاشتراطات تتغير من عام لآخر، وغياب شهادة التطعيم قد يوقف طلب التأشيرة تماماً، ولن يقتصر الأمر على مجرد إزعاج عند الوصول.

إذا كانت قدرتك على الحركة محدودة، فابحث عن التسهيلات المتاحة بدلاً من افتراض عدم وجودها: فهناك مسارات مخصصة للكراسي المتحركة حول الكعبة وعلى طول مسار السعي، وغالباً ما توفر المخيمات المنظمة وسائل نقل للمشي بين منى وعرفة ومزدلفة لمن يحتاجون إليها. إن الاستفسار عن هذه الخدمات مسبقاً أثناء مرحلة التخطيط أسهل بكثير من اكتشاف حاجتك إليها بعد وصولك إلى هناك.

يتسم مخيم منى بالضجيج والإضاءة الساطعة والزحام طوال الليل تقريباً، ولعدة ليالٍ متتالية. فإذا كان نومك يعتمد على الهدوء والظلام، فسيخضع هذا الاعتماد لاختبار حقيقي هناك. لذا، يجدر بك التعامل مع النوم كأمر يحتاج إلى استعداد مباشر: احزم سدادات الأذن وقناع العينين، وحاول -إن استطعت- التدرب لعدة ليالٍ على النوم وسط الضوضاء والضوء مسبقاً، حتى لا تكون الليلة الأولى التي تحتاج فيها إلى هذه الأدوات هي المرة الأولى التي تجربها فيها.

يُعد الجفاف من أكثر الأسباب شيوعاً لإصابة الحجاج بالإعياء في يوم عرفة تحديداً؛ حيث تجتمع الحرارة والساعات الطويلة في العراء مع جدول زمني لا يترك فرصة طبيعية للتوقف وشرب الماء. إذا لم تكن معتاداً على شرب الماء بانتظام طوال اليوم، فابنِ هذه العادة من الآن بدلاً من محاولة اكتسابها لأول مرة في ظروف الحج. زِد من استهلاكك اليومي للماء تدريجياً قبل السفر، وتعرّف على العلامات المبكرة للإنهاك الحراري -كالدوخة، والصداع المستمر، والغثيان، والبول الداكن بشكل غير طبيعي- لتتمكن من تمييزها قبل أن تتحول إلى حالة طبية طارئة.

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:

«كَانَ أَهْلُ اليَمَنِ يَحُجُّونَ وَلاَ يَتَزَوَّدُونَ، وَيَقُولُونَ: نَحْنُ المُتَوَكِّلُونَ، فَإِذَا قَدِمُوا مَكَّةَ سَأَلُوا النَّاسَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى…»

أُخرج هذا الأثر في الصفحة المطبوعة 2/554 من ، وهو يسبق مباشرة الآية التي يشير إليها:

…وَتَزَوَّدُوا۟ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ ۚ وَٱتَّقُونِ يَـٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ

سورة البقرة، 2:197

لم يكن الأشخاص الذين تخاطبهم الآية مهملين بدافع التوكل على الله، بل خلطوا بين غياب التخطيط وبين التوكل عليه سبحانه، مما جعلهم عالة على الغرباء في مدينة بعيدة. والتصحيح القرآني هنا ليس “الزاد بدلاً من التقوى”، بل هو حمل الزاد جنباً إلى جنب مع التقوى، مع الإشارة إلى أن التقوى هي الزاد الأعظم. ومن الناحية العملية، يعني هذا تمويل الرحلة من كسب تعلم يقيناً أنه حلال، وليس من قرض لا ترى طريقاً واضحاً لسداده، ولا بتجاوز حدود قدرتك المالية الحقيقية لمجرد إثبات شيء لمن يراقبك. احزم أمتعتك بتواضع واقتصر على ما تحتاجه؛ فالحج يكافئ البساطة، لا الحقيبة الممتلئة عن آخرها.

لا شيء من هذا -سواء جدول المشي، أو خطة الأدوية، أو سدادات الأذن، أو عادة شرب الماء- يتعارض مع الغاية التي تذهب من أجلها، بل إنه يحميها. فالحاج الذي يصل إلى عرفة بساقين قادرتين على الوقوف، وحالة مزمنة تحت السيطرة، وجسد لا يصارع الجفاف، هو حاج تفرغ انتباهه ليكون حيث ينبغي أن يكون في ذلك اليوم، بدلاً من أن يستنزفه ألم كان من الممكن تجنبه بتخطيط أفضل قبل أشهر. قد يبدو التدريب مملاً وقوائم التعبئة عادية، لكن أنجزها على أي حال؛ فهي طريقتك لضمان أن الشيء الوحيد الذي يقف بينك وبين العبادة هو العبادة ذاتها.

وهذا الانضباط ذاته -أي بناء العادة قبل أشهر من الحاجة إليها، بدلاً من التخبط في اللحظة الأخيرة- يستحق أن تطبقه على الكلمات التي تنطق بها والأدعية التي ترفعها، سواء في الحج أو في كل يوم عادي من أيامك. وتضم مجموعة الأذكار في معرض القرآن (Quran Gallery) الأذكار الموثقة والمخصصة لهذا الغرض تحديداً، وهي جاهزة متى ما قررت البدء.