Articles
عمل واحد وأجور مضاعفة: كيف تعدد نواياك في رحلة الحج
قد يؤدي حاجان نفس المناسك تماماً ويعودان بأجور متفاوتة جداً، والسبب لا يكمن في أفعالهما الظاهرة، بل في ما وقر في قلبيهما. إليك كيف حوّل السلف العمل الواحد إلى أعمال عدة، وكيف يمكنك تطبيق ذلك في كل مرحلة من مراحل رحلة الحج.
- الكاتب
- The Quran Gallery team
- تاريخ النشر
- مدة القراءة
- قراءة 5 دقيقة
قد يطوف حاجان الأشواط السبعة نفسها، ويقفان في البقعة نفسها على صعيد عرفات، ويرميان الجمرات نفسها في الشاخص نفسه، ثم ينصرفان بأجور لا وجه للمقارنة بينها. ولا شيء في حركات الجسد الظاهرة يفسر هذا التفاوت، بل التفسير الوحيد يكمن في ما كان يحمله كل منهما في قلبه أثناء تلك الحركات.
وهذا ليس مجرد حالة مزاجية أو شعور عابر قد يأتيك أو يغيب عنك، بل هو مهارة مارسها الرعيل الأول من المسلمين عن قصد ووعي، ولها اسم محدد: النية. والأساس الذي يقوم عليه هذا كله هو حديث واحد رواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، إذ سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من على المنبر:
«إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»
دُوّن هذا الحديث في الصفحة المطبوعة 1/6 من ، وهو الحديث الافتتاحي في صحيح البخاري، وقد وُضع في صدارة الكتاب عن عمد؛ لأن كل حديث يليه لا يُعتد به إلا بعد فهم هذا الحديث. إن الإخلاص - أي ابتغاء وجه الله وحده - هو الأساس الذي يُبنى عليه كل ما سيأتي هنا. لكن هذا المقال لا يتحدث عن هذا الأساس، بل عما تبنيه فوقه: كيف يمكن لعمل مخلص واحد، يُؤدى مرة واحدة، أن تُعقد له نوايا متعددة في آن واحد، لتنال عليه أجوراً مضاعفة.
جمع ابن رجب الحنبلي في شرحه لهذا الحديث بالذات طائفة من أقوال السلف تحت عنوان بسيط سماه “النية في كلام السلف”. فقد قال يحيى بن أبي كثير، وهو من كبار التابعين، لطلابه:
«تعلموا النية فإنها أبلغ من العمل»
دُوّن هذا الأثر في الصفحة المطبوعة 1/68 من . وكلمة “تعلموا” هنا هي الكلمة المفتاحية؛ فلم يقل “اشعروا” أو “تمنوا”. فالنية في هذا التراث هي شيء تدرسه وتتدرب عليه كما تتدرب على التلاوة، وليست شيئاً تنتظر حلوله بسلبية. وفي الصفحة التالية مباشرة من نفس الكتاب، يوضح عبد الله بن المبارك - وهو العالم الذي كان مجاهداً وتاجراً في آن واحد، والذي كان ينظر إلى الأجر كما ينظر الحرفي إلى مادته الخام - هذه الآلية بعبارة صريحة:
«رب عمل صغير تعظمه النية، ورب عمل كبير تصغره النية»
دُوّن هذا الأثر في الصفحة المطبوعة 1/69 من . وتترتب على ذلك نتيجتان مباشرتان، والحج هو أخصب ميدان في حياة المسلم لتطبيقهما معاً.
النتيجة الأولى هي أن العمل العظيم في ظاهره - والحج، أي شد الرحال إلى بيت الله، هو من أعظم الأعمال الظاهرة التي يؤديها المؤمن - لا يكون بالضرورة عظيماً في أجره بشكل تلقائي. فحجمه عند الله يتحدد بما يملأ القلب أثناء أدائه.
النتيجة الثانية، وهي صلب هذا المقال، تتمثل في الاتجاه العكسي والأكثر نفعاً: أن العمل الواحد، الذي لا يتغير في ظاهره، يمكن أن تُعقد له نوايا متعددة ومختلفة في الوقت نفسه، وكل نية من هذه النوايا تُحسب ويُؤجر عليها صاحبها على حدة. لست بحاجة إلى مضاعفة أفعالك في الحج، فبالكاد يتسع وقتك وجهدك لذلك، بل أنت بحاجة إلى مضاعفة نواياك في الأعمال التي ستقوم بها على أية حال.
لنأخذ أبسط أجزاء الحج وأقلها بريقاً: التواجد وسط حشد يضم مليوناً أو مليونين من البشر، يتحركون ببطء، لأيام متواصلة، في حر شديد، وغالباً ما تتزاحم الأكتاف وتتلاصق. يعيش معظم الحجاج هذه التجربة كمعاناة يجب تحملها، لكنها يمكن أن تكون أيضاً أعمالاً صالحة عدة متراكمة في عمل واحد.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما، ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما، سهل الله له به طريقا إلى الجنة»
دُوّن هذا الحديث في الصفحة المطبوعة 4/2074 من ، في صحيح مسلم. اقرأ هذا الحديث وأنت وسط الزحام في منى أو على الطريق إلى مزدلفة، وسيتوقف عن كونه مجرد قائمة مجردة من الفضائل. فإفساح الطريق لامرأة مسنة تخلفت عن مجموعتها هو “تيسير على معسر”. وإرشاد حاج تائه ومنفصل عن رفقته وإعادته إلى خيمته الصحيحة هو “تنفيس كربة”. والتزام الصمت حيال كلمة قاسية وجهها إليك شخص أرهقه التعب هو “ستر لمسلم”. وسؤال عالم يسير بجوارك عن المناسك التي توشك على أدائها - محولاً بذلك وقت الانتظار نفسه إلى طلب للعلم - هو “سلوك طريق يُلتمس فيه علم”. مسافة مشي واحدة، تتسع لأربع نوايا مختلفة، وأربعة أجور منفصلة نص عليها حديث واحد.
لا يتطلب منك أي من هذا أن تفعل شيئاً لم تكن تنوي فعله أصلاً. بل يتطلب منك فقط أن تنتبه، أثناء قيامك به، إلى أي من هذه المعاني يمكنك أن تقصده بنيتك.
ينفق كل حاج مالاً في رحلة الحج؛ على السفر، والإقامة، والطعام، وعلى هدية يشتريها لمن ينتظره في وطنه، أو صدقة يضعها في يد سائل. وقد وصف الله تعالى ما يؤول إليه هذا الإنفاق عندما يُقصد به وجه معين:
﴿وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍۭ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَـَٔاتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾
لاحظ ما اشترطته الآية لمضاعفة الأجر: ليس حجم المبلغ، بل “ابتغاء مرضاة الله وتثبيتاً من أنفسهم”. فتذكرة الطيران ذاتها التي تُدفع لشركة الطيران نفسها يمكن أن تُنفق باعتبارها مجرد تكلفة لوجستية بحتة، ويمكن أن تُنفق تلبية لنداء الله، وتقرباً إليه، وشكراً له على تيسير الأسباب في حين يفتقدها الكثير ممن يتوقون لهذه الرحلة. التكلفة المادية لا تتغير، لكن قيمتها عند الله هي التي تتغير.
يضعك الحج، لفترة قصيرة لا تتكرر، وسط أناس من المرجح جداً ألا تراهم مرة أخرى أبداً؛ وكثير منهم تعتريه الحيرة بشأن حكم شرعي، أو صيغة دعاء، أو مكان للوقوف. إن قول الكلمة الصائبة لأحدهم هو عمل صالح بحد ذاته، وقيمته تفوق ما يبدو عليه:
إن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم يستحمله، فلم يجد عنده ما يحمله، فدله على آخر فحمله، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: «إن الدال على الخير كفاعله»
دُوّن هذا الحديث في الصفحة المطبوعة 4/403 من ، في سنن الترمذي، الذي أشار إلى أن المعنى ذاته رُوي أيضاً عن أبي مسعود البدري وبريدة. إن إجابتك على سؤال شخص غريب حول كيفية أداء الطواف، أو تصحيحك بلطف لمن أخطأ في فهم منسك ما، أو مجرد إرشادك لمجموعة تائهة إلى البوابة الصحيحة، ليس مهمة جانبية تشغلك عن حجك. بل متى ما نويته دلالة على الخير، كُتب لك أجر كأجر العمل الذي دللتهم عليه.
الخطأ الشائع هو التعامل مع النية كشيء تعقده مرة واحدة عند الإحرام ثم تمضي. فالعلماء الذين اقتبسنا أقوالهم آنفاً لم يتحدثوا عن النية كقرار يُتخذ لمرة واحدة، بل تحدثوا عن تعلمها، والتدرب عليها، والعودة إليها مراراً. اعقد نواياك قبل أن تغادر، لكن عُد إليها وجددها وأنت واقف بعرفة، وجددها في مسيرك إلى مزدلفة، وعند كل جمرة في منى، وفي كل شوط من أشواط الطواف. فالعمل الذي بين يديك نادراً ما يتغير من مرحلة إلى أخرى، لكن ما تقصده به يمكن أن يتجدد في كل مرة.
إن استصحاب نية محددة وصادقة في كل مرحلة من مراحل الرحلة هو انضباط روحي يُفضل أن تعبر عنه بكلماتك الخاصة مناجاةً لله، وتجمع موسوعة الأذكار في “معرض القرآن” الأدعية المأثورة والصحيحة المخصصة لهذه اللحظات بالذات؛ وهي كلمات ثبتت صحتها، لترفعها إلى الله وأنت تجدد، في كل مرحلة، قيمة العمل الظاهر الواحد عنده سبحانه.
تقبل الله منكم كل خطوة، وضاعف لكم فيها الأجر.