Articles
ماذا يعني أن تحب الله؟ الدليل، والاختبار، والطريق إلى محبته
إن محبة الله ليست مجرد مشاعر تعبدية عابرة، بل جعلها القرآن الكريم معياراً للإيمان، ووضع اختباراً عملياً لصدق هذا الادعاء، كما بيّن حديث قدسي بدقة كيف ينال القلب هذه المحبة. إليك ما تقوله الأدلة.
- الكاتب
- فريق معرض القرآن
- تاريخ النشر
- مدة القراءة
- قراءة 5 دقيقة
تُعد جملة “أنا أحب الله” من أسهل الجمل نطقاً، لكنها من أصعبها إثباتاً. فالنطق بها لا يكلف شيئاً، والقرآن الكريم لا يتعامل مع هذه المحبة على أنها مجرد شعور باطني معفى من التمحيص، بل يتعامل مع هذا الادعاء كأمر قابل للاختبار والوزن؛ فإما أن يثبت صدقه أو ينكشف زيفه. ليس الأمر مجرد عاطفة شاعرية، بل هو المحور الذي يدور عليه الإيمان: إنه الفارق بين قلب سُلِّم لله حقاً، وقلب استعار اسم الله ليغطي به على شيء آخر يحبه أكثر.
يستهل القرآن الكريم هذا الموضوع بذكر نقيضه المزيف أولاً:
وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ ٱللَّهِ ۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ ۗ وَلَوْ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ إِذْ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ أَنَّ ٱلْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعَذَابِ يتخذ بعض الناس “أنداداً” من دون الله، ولا يُشترط أن تكون هذه الأنداد أصناماً من حجر، بل قد تكون أي شيء يُمنح من التعظيم والولاء ما لا ينبغي إلا لله وحده: كالمال، أو الوجاهة، أو شخص معين، أو طموح دنيوي. هؤلاء يحبون هذه الأنداد “كحب الله”. أما المؤمنون فقد وُصفوا بوصف مختلف: فمحبتهم لله ليست مجرد محبة تتزاحم مع غيرها من المحاب، بل هي المحبة الأشد؛ المحبة التي تحسم كل محبة أخرى ولا ترضى بأن تقف معها على قدم المساواة.
وهذه الكلمة “أشد” لها دلالة بالغة الأهمية؛ فهي تعني أن محبة الله لا تتطلب إفراغ القلب من كل تعلق آخر. فالمؤمن لا يزال يحب والديه، وأبناءه، وزوجه، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب أهله علانية ويصرح بذلك دون حرج. إنما الفارق يكمن في المحبة التي تنتصر عند تعارض محبتين. ولعل الصيام يبرز هذا الترتيب بأجلى صوره: فالطعام، والنوم، والراحة كلها محاب حقيقية، ومن يتخلى عنها طوال شهر كامل لا يتظاهر بأنه لا يشتهيها، بل يثبت - بطريقة تعجز عنها الكلمات - أي محبة تعلو على ما سواها.
لو كانت المحبة مجرد شعور باطني، لاستحال إثبات زيفها؛ إذ يمكن لأي شخص أن يدعيها ولا يملك أحد التحقق منها. لكن الله لم يترك هذا الادعاء دون بينة:
قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ تربط الآية الكريمة ادعاء المحبة بمعيار ظاهر: اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم. ليس مجرد الإعجاب به من بعيد، ولا مجرد التصديق بوقائع سيرته، بل اتباع منهجه في الحياة؛ طريقته في العبادة، وصبره على من أساء إليه، ورحمته بالضعفاء، وتفاصيل يومه العادي كما عاشه. وقد ارتبط بهذا الاتباع وعدان لا وعد واحد: أن يحب الله من يفعل ذلك، وأن يغفر له ذنوبه. وفي موضع آخر، يصف القرآن الكريم كيف يبدو أثر هذه المحبة حين تتأصل في حياة الإنسان؛ فهم قوم يحبهم الله ويحبونه، أذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين، لا يخافون في الله لومة لائم.
وهذا هو السبب في أن محبة الله لا تتعارض مع طاعته، بل هي السر الذي يجعل الطاعة تختلف جذرياً باختلاف حضور المحبة في القلب. فقد يصلي شخصان الصلاة ذاتها، بالهيئة ذاتها، وللمدة ذاتها؛ أحدهما يؤدي واجباً كما يسدد العامل ديناً ثقيلاً، فيبدو عليه التعب والمشقة. والآخر يلبي نداء من يحب، فتكتسب الحركات ذاتها وزناً مختلفاً تماماً. تبدو الأفعال متطابقة من الخارج، لكن القلب وحده هو الذي يفرق بينهما، والله ينظر إلى القلوب لا إلى مجرد الحركات.
إذا كان الاختبار هو اتباع الرسول، فإن السؤال التالي هو: كيف يتحول هذا الاتباع إلى ما هو أعمق من مجرد الامتثال الآلي؟ كيف يصبح محبة يلاحظها الله ويستجيب لها؟ يصف أحد الأحاديث هذه الآلية بدقة متناهية:
مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ … — صحيح البخاري، الصفحة المطبوعة 8/105 من ، حديث رقم 6502، عن أبي هريرة، في كتاب الرقاق، باب التواضع.
يُذكر هنا حركتان بترتيب ثابت. أولاً، يؤدي العبد ما افترضه الله عليه: الصلوات الخمس، والصيام، والزكاة المفروضة، وغيرها. وقد سمى الله هذا أحب ما يتقرب به العبد إليه؛ فهو ليس مجرد إحماء قبل بدء العبادة “الحقيقية”، بل هو العبادة الحقيقية ذاتها. ثم، وعلاوة على الفرائض، يستمر العبد في الزيادة من النوافل: صلاة إضافية، صيام تطوع، أو صدقة لم تُفرض عليه. وهذه الحركة الثانية، النابعة من طواعية واختيار، هي التي يخبرنا الحديث بأنها تجلب محبة الله للعبد. وما يتبع ذلك يصف عبداً توافقت حواسه من سمع وبصر، وجوارحه من يد وقدم، مع ما يحبه الله؛ ليس لأنه أُجبر على ذلك، بل لأن محبته لله قد أعادت ترتيب رغباته بهدوء.
إذا كانت محبة الله تُنال بالعبادة لا بمجرد الادعاء، فإنها أيضاً تُطلب بالدعاء. فقد علّم النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يسألوها مباشرة، بكلمات تعود إلى ليلة وصفها لمعاذ بن جبل؛ رؤيا سُئل فيها عما تُنال به الدرجات العلى في الآخرة، فأجاب بقائمة قصيرة ختمها بدعاء أمرهم بحفظه وتبليغه:
اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ، وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ، وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ، وَأَنْ تَغْفِرَ لِي وَتَرْحَمَنِي، وَإِذَا أَرَدْتَ فِتْنَةً فِي قَوْمٍ فَتَوَفَّنِي غَيْرَ مَفْتُونٍ، وَأَسْأَلُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُ إِلَى حُبِّكَ — سنن الترمذي، الصفحة المطبوعة 5/285 من ، حديث رقم 3235، عن معاذ بن جبل. وقد قال الترمذي نفسه: “هذا حديث حسن صحيح”.
وبعد أن علّمهم إياه، لم يترك النبي صلى الله عليه وسلم تقدير أهمية هذا الدعاء لاجتهاد السامع، بل قال لهم بوضوح: “إنها حق، فادرسوها ثم تعلموها”. بعبارة أخرى، إن الدعاء بطلب محبة الله ليس نافلة تعبدية تقتصر على المتقدمين في العبادة، بل سُلِّم لعامة الصحابة مع أمر بحفظه؛ والسر في ذلك أن محبة الله ليست شيئاً يمكن للإنسان أن يصطنعه بقوة إرادته وحدها، بل لا بد من طلبها بالدعاء، شأنها شأن كل أمر عظيم الشأن.
إذا جمعنا هذه الأجزاء معاً، سنجد أنها ليست أفكاراً متناثرة بل حركة واحدة متكاملة: محبة تعلو على كل محبة أخرى، يُبرهن عليها بالاتباع لا بمجرد الشعور، وتُبنى بأداء الفرائض ثم تُعزز بالنوافل، وتُطلب بالدعاء المباشر لأن العبد لا يملك أن يقرر الشعور بها هكذا ببساطة. ليس في هذا كله شيء مجرد؛ بل يتجلى في ما يستعد الإنسان للتخلي عنه، وفيما إذا كانت العبادة تبدو له كإسقاط واجب أم كقرب ومناجاة، وفيما إذا كان قد سأل الله يوماً - بهذه الكلمات أو بكلماته الخاصة - أن يرزقه محبته.
وهذا الجزء الأخير يستحق أن يؤخذ بمعناه الحرفي. فإذا كان هذا الدعاء جديراً بأن يُحفظ ويُردد، فإن مكتبة الأذكار في معرض القرآن تضمه إلى جانب بقية ما علّمه النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه؛ حيث يمكنك البحث فيه، والاحتفاظ به ليكون قريباً منك، لا أن تقرأه مرة ثم تنساه. اسأل الله محبته، ثم اتبع الرسول الذي أرسله، وانظر كيف يفعل هذا الاتباع في قلبك.