Articles
أعذب لقاء: كيف نغرس في القلب الشوق إلى الله
كل صلاة ليل، وكل سجدة، وكل آية نتلوها في هذا الشهر، إنما هي تدريب خفي للقلب على لقاء واحد: رؤية وجه الله الكريم. من خلال تتبع الأحاديث والآيات التي تصف هذا اللقاء، نستكشف هنا حقيقة الشوق إلى الله، وكيف ينمو في القلوب.
- الكاتب
- The Quran Gallery team
- تاريخ النشر
- مدة القراءة
- قراءة 6 دقيقة
اسأل نفسك بصدق: هل زادت تلاوتك في هذا الشهر من شوقك لمن تتلو كلامه؟ هل تركت الخلوات التي قضيتها مع الله في القيام، والدعاء، وفي الثلث الأخير من الليل، قلبك مشتاقاً إليه، وراغباً حقاً في رؤيته؟ بالنسبة لمعظمنا، الإجابة ليست واضحة، لأننا نادراً ما نتوقف لطرح هذا السؤال. فنحن نتعامل مع العبادة كمجموعة من الواجبات التي يجب إنجازها، لا كعلاقة تُبنى وتتجه نحو لقاء مرتقب. والحال أن هذا اللقاء هو الغاية من كل شيء. فكل تضحية يقدمها المؤمن في هذه الحياة - من نوم يتركه، وطعام وشراب يمتنع عنهما، وشهوات يؤجلها - إنما تمهد للحظة واحدة وصفها القرآن والسنة بعبارات في غاية الدقة والوضوح: الوقوف بين يدي الله ورؤيته.
يحمل الصيام وعداً لا يشبه أي عبادة أخرى. فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر أن كل عمل صالح يعمله الإنسان يُضاعف، إلا الصيام؛ لأن الله تعالى اختص نفسه بثوابه، ليجزيه به مباشرة دون مقياس معتاد. وفي طيات هذا الحديث نفسه، يكمن وعد آخر قد يمر عليه الكثيرون مرور الكرام:
لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ الفرحة الأولى صغيرة ولحظية؛ شربة ماء عند المغرب بعد يوم طويل. أما الفرحة الثانية فهي الغاية الكبرى. فمهما كان الارتياح الذي يجلبه الإفطار، يضعه الحديث جنباً إلى جنب مع شيء أعظم بما لا يُقاس: اللحظة التي يقف فيها الصائم، بعد أن عوّد نفسه على الحرمان لوجه الله، بين يدي من حَرَم نفسه من أجله. أُخرج هذا الحديث عن أبي هريرة، في كتاب الصيام، في النسخة المطبوعة صفحة 2/807 من ، برقم 1151.
لم يترك القرآن طبيعة هذا اللقاء غامضة، بل وصف الله سبحانه ما سيظهر على وجوه أهل الجنة في ذلك اليوم:
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ أوضح الحسن البصري رحمه الله الرابط بين شطري الآية بجلاء: الوجوه ناضرة بسبب ما تنظر إليه. فالنور المنعكس من رؤية نور الله هو المعنى الحقيقي لـ “ناضرة” هنا؛ ليس مجرد استعارة عن الرضا، بل هو الأثر المرئي لرؤية حقيقية. لم تقدم الآية وصفاً إضافياً لكيفية هذه الرؤية، ولا يوجد في النصوص الشرعية ما يحاول ذلك. لكن ما تخبرنا به هو أن هذه الرؤية حقيقية، وأنها تقع بالبصر لا بالبصيرة فحسب، وأن القرآن أفرد لها ذكراً خاصاً في سورة خُصصت في مجملها لوصف أهوال يوم القيامة.
وفي موضع آخر، يَعِدُ القرآن المحسنين بشيء يفوق ما يعلمون أنه أُعد لهم:
۞ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ ۖ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ “الحسنى” هي الجنة ذاتها؛ بجناتها الواسعة، وأنهارها، وصحبتها، والراحة من كل مشقة تطلبتها هذه الحياة. أما “الزيادة” فهي الكلمة التي ربطها الصحابة والمفسرون الأوائل مباشرة برؤية الله عز وجل؛ لأن الجنة، مهما بلغت من الكمال، تظل نعيمًا مخلوقًا، ورؤية خالقها لا تُقاس بأي شيء فيها. وقد جاء حديث صهيب رضي الله عنه ليجعل هذا الرابط صريحاً، واصفاً لحظة تأتي بعد أن يستقر أهل الجنة في كل ما وُعدوا به:
إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، يَقُولُ اللَّهُ: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ أُخرج هذا الحديث في كتاب الإيمان، باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة لربهم سبحانه وتعالى، في النسخة المطبوعة صفحة 1/163 من ، برقم 181. تأمل ترتيب الأحداث في الحديث: لقد نال أهل الجنة بالفعل كل ما كانوا يتوقعونه من مغفرة، وأمان، ودخول للجنة، وظنوا أنه لم يبق شيء ليطلبوه. فرؤية الله لم تكن ضمن القائمة التي تخيلوها بأنفسهم. إنها “الزيادة” التي ذكرها القرآن دون أن يصفها، والتي تأتي كمفاجأة حتى لأولئك الذين هم بالفعل في الجنة.
بالنظر إلى محورية هذا الأمر، يجدر بنا أن نكون دقيقين في فهم المعنى الحقيقي لـ “الشوق إلى لقاء الله”، لأن العبارة قد تبدو مقلقة للوهلة الأولى. قال النبي صلى الله عليه وسلم:
مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ اعترضت عائشة، أو بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، عند سماع ذلك قائلة: “ولكننا كلنا نكره الموت”. فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا ليس ما يقصده الحديث. فالمؤمن إذا حضره الموت بُشر برضوان الله وكرامته التي تنتظره، وفي تلك اللحظة لا يكون شيء أمامه أحب إليه مما هو قادم؛ فيحب لقاء الله، ويحب الله لقاءه. أما الكافر إذا حضره الموت بُشر بعذاب الله وعقوبته، وفي تلك اللحظة لا يكون شيء أمامه أبغض إليه مما هو قادم؛ فيكره لقاء الله، ويكره الله لقاءه. أُخرج هذا الحديث عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، في كتاب الرقاق، في النسخة المطبوعة صفحة 8/106 من ، برقم 6507. لا يطلب الحديث من أحد أن يتمنى الموت، بل يصف حالة قلبية تجاه الله تتجلى في اللحظة الوحيدة التي لا يعود فيها الإنسان قادراً على التصنع، أو التظاهر، أو إلهاء نفسه عنها.
لطالما كانت هذه اللهفة سمة لأقرب عباد الله، وتتجسد أحياناً بشكل حرفي في المسارعة للوصول إليه. فعندما تعجل موسى عليه السلام وسبق قومه إلى الجبل الذي ناداه الله إليه، سأله الله مباشرة:
۞ وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَـٰمُوسَىٰ فأجاب موسى بلا تردد:
قَالَ هُمْ أُو۟لَآءِ عَلَىٰٓ أَثَرِى وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ كان قوم موسى لا يزالون في طريقهم، لكنه لم يستطع الانتظار. كان هناك شيء في داخله يدفعه للوصول إلى الله أولاً، وقد صرح هو نفسه بالسبب: لم يكن الخوف هو ما يدفعه من الخلف، بل كان رضا الله هو ما يجذبه إلى الأمام.
ويظهر الشوق ذاته في ما يطلبه المرء، وليس فقط في سرعة خطاه. فقد عاشت آسية امرأة فرعون رضي الله عنها في بيت رجل ادعى الألوهية لنفسه، بينما كانت تؤمن سراً بالإله الحق. ودعاؤها الذي خلده القرآن قصير لدرجة يمكن حفظه من مرة واحدة:
… رَبِّ ٱبْنِ لِى عِندَكَ بَيْتًا فِى ٱلْجَنَّةِ وَنَجِّنِى مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِۦ وَنَجِّنِى مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ لطالما أشار المفسرون إلى ترتيب كلماتها: فقد طلبت البيت “عنده” قبل أن تكمل ذكر البيت نفسه. كان القرب من الله هو المطلب الحقيقي؛ أما البيت في الجنة فكان أشبه بأمنية تابعة له. امرأة محاطة بادعاءات رجل باطلة بالألوهية، لم تطلب في النهاية سوى القرب من الإله الحق.
لا يأتي شيء من هذا الشوق تلقائياً لمجرد إيمان المرء بالآخرة بشكل مجرد. بل يُبنى بالطريقة ذاتها التي يُبنى بها أي حب: من خلال معرفة المحبوب. فالقرآن الذي تتلوه هذا الشهر، والدعاء الذي تناجي به ربك في سكون الليل، والسجود الذي تبوح فيه أخيراً بما لم تستطع قوله وأنت قائم؛ كل ذلك يمثل خطوات للتعرف على الله بشكل مباشر أكثر. ومعرفته سبحانه هي ما يحول الإيمان باللقاء إلى شوق إليه. وكلما أدرك المرء بوضوح من هو الله، ومدى ضآلة جهده مقارنة بعطاء الله واستجابته، تحولت عبادته من مجرد أداء واجب إلى سعي حثيث نحو من يرجو رؤيته.
وهنا يتحول الشوق إلى شيء يمكنك ممارسته فعلياً، وليس مجرد شيء تقرأ عنه. فذكر الله بأسمائه، ودعاؤه، والعودة إلى كلامه، ليست أموراً منفصلة عن الشوق الموصوف أعلاه؛ بل هي الطريقة التي يُبنى بها يوماً بعد يوم، في الوقت المتاح لك فعلياً. تجمع مكتبة الأذكار الأذكار المرتبطة بأوقات محددة من اليوم، إلى جانب الأدعية التي كان النبي صلى الله عليه وسلم نفسه يدعو بها، إذا كنت تبحث عن نقطة انطلاق عملية تبدأ منها الليلة، بدلاً من الانتظار حتى ينتهي هذا الشهر.
حتى أن عمار بن ياسر رضي الله عنه صلى بالناس يوماً صلاة موجزة، ولما سُئل عن ذلك أوضح السبب: لقد ضمنها مجموعة من الأدعية التي سمعها من النبي صلى الله عليه وسلم، ومن بينها هذا الدعاء الذي يُختتم بالمطلب الذي يتمحور حوله هذا المقال بأكمله:
… وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَىٰ وَجْهِكَ، وَٱلشَّوْقَ إِلَىٰ لِقَآئِكَ أُخرج هذا الحديث في النسخة المطبوعة صفحة 3/54 من ، برقم 1305.
إن كان فيما سبق أي خطأ - سواء في صياغة لم توفق في نقل المعنى، أو استشهاد غير دقيق - فأخبرونا. فنحن نفضل أن نُقوَّم على أن نترك الخطأ قائماً.
اللهم ارزقنا لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك.