Articles
الرصيد الخفي: لماذا يجب أن تفوق عبادات السر ما يراه الناس
غالباً ما يكون الخشوع في الصلاة ثمرة لعادة بُنيت في الخفاء بعيداً عن أعين الناس. إليك ما قاله ابن أحد الصحابة لأبيه، وآية عن صدقة السر، والخطر الخفي المتمثل في الإعجاب بعملك السري.
- الكاتب
- فريق معرض القرآن
- تاريخ النشر
- مدة القراءة
- قراءة 5 دقيقة
نادرًا ما يحضر القلب في الصلاة بمجرد استدعائه، بل هو في الغالب ثمرة لعادة يبنيها المرء بعيدًا عن أعين الناس: عبادات تُؤدى في الخفاء حيث لا يراها أحد ولن يعلم بها أحد، في خلوة لا يكون فيها سوى العبد وربه. قد يصلي المرء ويصوم ويتصدق لسنوات دون أن يذوق حلاوة أي من ذلك، والسبب أن كل طاعة من تلك الطاعات كان لها جمهور يشاهدها. ولم يكن العلاج الذي طالما لجأ إليه السلف الصالح مجرد تقنية تُطبق في الصلاة ذاتها، بل كان يتمثل في رصيد آخر خفي من العبادات، يسير جنبًا إلى جنب مع الرصيد الظاهر للعيان.
قضى سعد بن أبي وقاص، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، أواخر حياته بين إبله وغنمه، معتزلًا الفتن السياسية التي عصفت بالمدينة بعد مقتل الخليفة الثالث. وقد خرج إليه ابنه عمر باحثًا عنه، ولم يستطع إخفاء استنكاره: كيف لرجل شهد بدرًا أن يستقر بين الأنعام بينما يتنازع الآخرون على السلطة؟ يروي عامر بن سعد، الذي حفظ لنا هذا الحوار، ما حدث بعد ذلك:
فَنَزَلَ. فَقَالَ لَهُ: أَنَزَلْتَ فِي إِبِلِكَ وَغَنَمِكَ وَتَرَكْتَ النَّاسَ يَتَنَازَعُونَ الْمُلْكَ بَيْنَهُمْ؟ فَضَرَبَ سَعْدٌ فِي صَدْرِهِ فَقَالَ: اسْكُتْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ الْغَنِيَّ الْخَفِيَّ» — صحيح مسلم، الصفحة المطبوعة 4/2277 من .
يُفسر الشرح المرفق بهذا الحديث في الطبعة ذاتها كلمة «الغني» بغنى النفس لا غنى المال، وكلمة «الخفي» بالمرء المنقطع لعبادته والمنشغل بصلاح قلبه، الزاهد في لفت أنظار الناس إليه. لم يكن سعد يمتدح التخلي عن كل واجب عام؛ فالكثير من العبادات تتطلب بطبيعتها المشاركة الجماعية، والشريعة في مجملها لا تطلب من أحد ترك صلاة الجماعة أو الدعوة العلنية. إنما كان سعد يدافع، بضربة على الصدر وبكل حزم، عن صنف محدد من العباد وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بأن الله يحبهم: أولئك الذين يرضون بأن يكونوا أخفياء لا يُفطن لهم.
يعقد القرآن الكريم المقارنة ذاتها بوضوح في عبادة بعينها، وهي الصدقة، ويبين بجلاء أي النوعين أفضل: صدقة السر أم صدقة العلانية:
إِن تُبْدُوا۟ ٱلصَّدَقَـٰتِ فَنِعِمَّا هِىَ ۖ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّـَٔاتِكُمْ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ لا تذم الآية الكريمة صدقة العلانية؛ فقوله تعالى «فَنِعِمَّا هِىَ» ثناء صريح، كما أن الإنفاق العلني الذي يشجع الآخرين على البذل يحمل منفعة حقيقية لا تنفيها الآية. بل إنها تكتفي بتحديد الأفضل بين الأمرين، وتربط به ميزة خاصة: فقد وُصف الإخفاء بأنه سبب لتكفير بعض سيئات المتصدق، وهي ثمرة ارتبطت بكون العطاء خفيًا. وإذا قرأنا هذه الآية في ضوء الحديث السابق، تتضح لنا قاعدة لا تقتصر على الصدقة فحسب، بل تصف عبدًا يحبه الله للسبب ذاته: إخفاء طائفة من أعماله الصالحة عن أعين الناس.
كل من حاول إخفاء عبادة يعلم جيدًا مدى سرعة إلحاح النفس على التحدث بها. فركعات في جوف الليل، أو صيام يوم إثنين عادي، أو وقت إضافي يُقضى في الدعاء؛ كلها أعمال تتوق النفس لنيل الثناء عليها بمجرد الفراغ منها، وتتفنن في إقحامها في ثنايا الأحاديث العابرة وكأنها زلة لسان. وقد عدّ أطباء القلوب الأوائل هذا الأمر من أخطر صور الرياء، لكونه رياءً بأثر رجعي: فالعمل الذي أُدي بمنتهى الإخلاص في حينه، قد يفسد لاحقًا إذا لم يقاوم صاحبه رغبته في إخبار الآخرين به. والتحذير الذي يتكرر في كتب التزكية واضح وصريح: إن العمل الذي يُذكر بعد أدائه ينتقل فعليًا من ديوان عبادات السر إلى ديوان أعمال العلانية، ويفقد بذلك الفضيلة الخاصة التي نالها بكونه خفيًا.
ليس هذا دعوة للتخفي لمجرد التخفي، ولا يعني أن كل عبادة يجب أن تُستر؛ فالكثير مما يطلبه الإسلام من المسلم ذو طابع جماعي بطبيعته: كصلاة الجماعة، وخطبة الجمعة، وصيام رمضان مع الأسرة، وجمع التبرعات العلنية لقضية ما. إنما التوجيه هنا أدق من ذلك: فإلى جانب ما يجب إظهاره من العبادات، احرص على أن تدخر لنفسك رصيدًا من الأعمال الخفية التي تبقى بينك وبين الله، ولا تُخبر بها أحدًا. فالمرء الذي يفتقر إلى مثل هذا الرصيد الخفي قد جعل، بقصد أو بدون قصد، من كل عبادة يؤديها مشهدًا يُعرض أمام الناس.
إن بناء رصيد خفي من العبادات يحل مشكلة، ولكنه قد يفتح بابًا لمشكلة أخرى في الخفاء. فالرياء هو خطر التطلع إلى أنظار الناس وطلب الثناء منهم. أما العُجب — وهو الاغترار بالنفس — فهو الخطر الذي يبقى حتى بعد غياب كل الشهود. فالمرء الذي روّض نفسه على عدم التحدث بصلواته الخفية للآخرين، قد يجلس وحيدًا بعد ذلك ليعجب في قرارة نفسه بانضباطه، مقارنًا أعماله الخفية بما يتخيل أن الآخرين ينجزونه، ليصل في صمت إلى نتيجة مفادها أنه يتفوق عليهم. هذه المقارنة هي عين العُجب، وإن تُركت دون تهذيب فإنها تتضخم لتصبح كِبرًا؛ ذلك الكبر الذي يقيس نفسه بعبادات الآخرين بدلًا من قياسها بما يجب لله حقًا.
والعلاج الذي يقدمه تراثنا الإسلامي ليس التوقف عن عبادة السر، بل الاستمرار في توجيه القلب نحو من أُدي العمل لأجله في المقام الأول، بدلًا من الالتفات إلى العمل ذاته. فالسر الذي يُكتم عن الناس لا ينال قيمته المرجوة إلا إذا امتنع صاحبه عن الالتفات إليه والاعتداد به في نفسه.
لا تتطلب زيادة عبادات السر تغييرًا جذريًا في روتينك اليومي. بل يمكن أن تكون بخطوات عملية بسيطة، كأن تختار صلاة ركعتين إضافيتين في وقت لا يستيقظ فيه أحد من أهل البيت ليراك، أو أن تدعو لحاجة معينة دون أن تخبر صاحب الشأن أبدًا أنك سألت الله من أجله، أو أن تتصدق بمبلغ يسير عبر وسيلة لا تترك وراءها اسمًا. لا شيء من هذا يحتاج إلى جمهور، وامتثالًا للآية والحديث المذكورين آنفًا، لا ينبغي لأي من هذه الأعمال أن تحظى بجمهور، ولا حتى بجمهور بأثر رجعي يُستدعى لاحقًا في ثنايا الحديث.
تُعد أوقات الصلاة المحددة من أسهل المحطات التي يمكن من خلالها اقتطاع هذا الوقت الخاص بوعي، فهي تحدد بالفعل اللحظات المخصصة للوقوف بين يدي الله خلال اليوم. ويمكن لأداة مواقيت الصلاة من معرض القرآن أن تساعدك في تحديد الفترات الزمنية المحيطة بكل صلاة مفروضة، حيث تتسع لركعات إضافية خفية، أو لدقائق من الدعاء الهادئ، دون الحاجة لتبرير هذا الوقت لأي شخص. نسأل الله أن يتقبل منا ما نُسره من الأعمال، وأن يصلح أحوالنا إن كان فيما سبق ما يستوجب الإصلاح.