Articles
لست وحدك أبداً: ماذا يخبرنا الوحي عن الملائكة من حولك
ليست الملائكة مجرد تفصيل ثانوي في العقيدة الإسلامية؛ فالقرآن والحديث يصفان أعدادهم، ومهامهم، وقربهم منا بدقة مذهلة. فما الذي تستند إليه هذه الدقة؟ وما الأثر الذي ينبغي أن تتركه في حياة لا يراقبها أحد غيرك؟
- الكاتب
- فريق معرض القرآن
- تاريخ النشر
- مدة القراءة
- قراءة 5 دقيقة
اسأل معظم الناس عما يعتقده المسلمون عن الملائكة، وستتلقى إجابة غامضة: كائنات مجنحة، في مكان ما، تراقبنا. لكن هذا الغموض لا يمت بصلة لما يخبرنا به الوحي. فالقرآن الكريم وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم يصفان الملائكة بدقة يسهل إغفالها إن لم تسمع عن هذا الأمر إلا عابراً؛ عدد محدد يدخل بيتاً محدداً، ومهام معينة توكل لملائكة بأعيانهم، وحقيقة قاطعة عمن يقف بجوارك في هذه اللحظة. إن الإيمان بالغيب هو أول ما يطلبه القرآن من المؤمن، وذلك في ثاني آية منه. والملائكة هم الجزء الأكبر من هذا العالم الغيبي، وقد وُصفوا بتفصيل يجعل من “الغموض” إجابة غير منصفة.
في ليلة الإسراء والمعراج، رُفع للنبي صلى الله عليه وسلم بناء في السماء يُسمى “البيت المعمور”. وقد أخبره جبريل عليه السلام بماهيته، وحُفظ هذا الوصف في الصفحة المطبوعة 3/1173 من ، بكلمات النبي صلى الله عليه وسلم نفسه: «هَذَا البَيْتُ المَعْمُورُ، يُصَلِّي فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، إِذَا خَرَجُوا لَمْ يَعُودُوا إِلَيْهِ آخِرَ مَا عَلَيْهِمْ».
تأمل هذه الحسبة الرياضية للحظة. إن رقم السبعين ألفاً هنا ليس مبالغة بلاغية، بل هو حقيقة واقعة عن يوم واحد فقط، والملائكة الذين يغادرون لا يعودون أبداً، لأن هناك دائماً أفواجاً أخرى خلفهم لم يأتِ دورها بعد. وهذا هو الحال في كل يوم منذ أن خُلقوا. لا يمكن لأي إحصاء بشري أن يستوعب هذا العدد، وهذا كله في بيت واحد، ولنوع واحد من العبادة، من بين أعداد لا يعلمها إلا الله من الملائكة. والوحي صريح في الأثر الذي ينبغي أن يتركه هذا الحجم الهائل في نفوسنا:
وَلَهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ وَمَنْ عِندَهُۥ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِۦ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ
هذه المخلوقات العظيمة، التي لا يُحصى عددها، والمقربة من الله، تقضي كل لحظة في العبادة دون أدنى شعور بالتعب أو الاستكبار. إن التأمل في عظمتهم لا يتعلق بالملائكة في حد ذاتهم، بل هو انعكاس لعظمة الخالق الذي أوجدهم، قُدّم لجنس بشري لا يقوى على إدراك كنه هذه العظمة مباشرة.
لا تقتصر الملائكة على كونها كائنات بعيدة لا تُحصى. بل هناك مَلَكان مخصصان لكل إنسان، ولا يتوقفان عن عملهما أبداً. وقد سماهم القرآن الكريم:
وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَـٰفِظِينَ كِرَامًا كَـٰتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ
وتضيف آية أخرى دوراً يتجاوز مجرد التسجيل، ألا وهو الحفظ، وليس المراقبة فحسب:
لَهُۥ مُعَقِّبَـٰتٌ مِّنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِۦ يَحْفَظُونَهُۥ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ …
إذا جمعت بين الآيتين، فلن تجد صورة لموظفين بعيدين يجمعون الحسابات في دفتر. بل هي صورة لملائكة حاضرين فعلياً، من بين يدي الإنسان ومن خلفه، في كل لحظة من لحظات يومه العادي؛ في طريقه إلى المدرسة، أو أثناء جدال لم يسمعه أحد، أو في لحظة خلوة مع هاتفه. لا يطلب منك هذا الوصف الإيمان بعالم غيبي بعيد. بل يطلب منك الإيمان بأنك لست وحدك أبداً، ولا تغيب عنك المراقبة لحظة واحدة. وهو ادعاء يبعث على الانزعاج الشديد أو الطمأنينة العميقة، بناءً على ما كنت تنوي فعله.
يُوكَل إليك مَلَكا التسجيل بغض النظر عما تفعله. لكن هناك مجموعة أخرى من الملائكة لا تظهر إلا إذا منحتها سبباً لذلك. وقد وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة، وحُفظت كلماته في الصفحة المطبوعة 5/2353 من : «إِنَّ لِلَّهِ مَلاَئِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَنَادَوْا: هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ، فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا».
ويكمل الحديث: فيسألهم ربهم، وهو أعلم بهم، عما يقوله عباده. فيجيبون بأنهم يسبحونه ويكبرونه ويحمدونه. فيسألهم الله عما إذا كانوا قد رأوه. فيقولون: لا. فيسألهم: كيف لو رأوني؟ فتجيب الملائكة بأنهم لو رأوه لكانوا أشد له عبادة. ثم يخبر الله ملائكته بأنه قد غفر لكل من في ذلك المجلس، بمن فيهم -كما يضيف الحديث- شخص جاء لحاجة أخرى فجلس معهم مصادفة. إن مجلس الذكر ليس مجرد حالة روحية خاصة، بل هو، وفقاً لهذا الوصف، مكان مادي تخرج الملائكة للبحث عنه، تماماً كما تبحث أنت عن شيء فقدته.
هناك وصفان آخران، كلاهما يتعلق بأفعال يظن معظم الناس أنها بينهم وبين الله فقط. أولاً، البقاء في المسجد: تسجل الصفحة المطبوعة 1/234 من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «المَلاَئِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ، مَا لَمْ يُحْدِثْ، تَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ»، و«لاَ يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلاَةٍ مَا دَامَتِ الصَّلاَةُ تَحْبِسُهُ، لاَ يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْقَلِبَ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا الصَّلاَةُ». إن الدقائق القليلة التي يقضيها معظم الناس في تصفح هواتفهم قبل النهوض من الصلاة هي، وفقاً لهذا الوصف، دقائق يطلب فيها مَلَك من الله أن يغفر لك.
ثانياً، تلاوة القرآن. يصف القرآن طريقة نقله بهذا الشكل:
بِأَيْدِى سَفَرَةٍ كِرَامٍۭ بَرَرَةٍ
وقد روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم ربط هذا الوصف مباشرة بقارئ القرآن العادي. وحُفظت كلماته في الصفحة المطبوعة 1/549 من : «الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ، وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ، لَهُ أَجْرَانِ». إن القارئ الذي يجد صعوبة ليس في منزلة أدنى هنا؛ فالحديث يخصه بأجرين تحديداً بسبب هذه المشقة، مما يعني أن الطلاقة ليست هي بيت القصيد في هذه المقارنة. بل إن مرافقة السفرة المذكورين في الآية السابقة هي الجائزة المعروضة في كلتا الحالتين.
ليس أي مما سبق مجرد معلومات عابرة يُفترض بالمسلمين الإقرار بها ثم تجاوزها. بل إن الإيمان بها يغير أمرين، وهما يسحبان المرء في اتجاهين متعاكسين عن قصد. فمعرفة أن هناك مَلَكين يسجلان كل شيء تهدف إلى خلق حالة من التردد قبل ارتكاب أي ذنب في الخفاء التام؛ ليس لاحتمالية الانكشاف، بل لأن فكرة غياب الرقيب لم تكن صحيحة قط. ومعرفة أن هناك ملائكة آخرين يبحثون بنشاط عن مجالس الذكر، ويستغفرون لمن ينتظر على سجادة الصلاة، ويرافقون من يتلو القرآن، تهدف إلى توليد شعور معاكس: وهو أن العادات الدينية البسيطة وغير المتكلفة -كبضع دقائق من الذكر، أو الجلوس لفترة أطول قليلاً بعد الصلاة، أو قراءة صفحة من القرآن حتى وإن كانت بصعوبة- ليست أفعالاً فردية على الإطلاق. بل هي الأفعال المحددة التي يخبرنا الوحي بأنها تجلب هذه الصحبة الكريمة.
إذا كان أي من هذا يجعلك ترغب حقاً في الحفاظ على هذه الصحبة بدلاً من مجرد القراءة عنها، فإن الأذكار اليومية التي تركها لنا النبي صلى الله عليه وسلم مجموعة بمصادرها في qurangallery.com/adhkar — وهي ذاتها مجالس الذكر التي وُصفت الملائكة بأنها تبحث عنها.
نسأل الله ﷻ أن يجعلنا ممن تزورهم ملائكته، وأن يغفر لنا كل ما سجلوه مما لا نود أن يراه أحد غيرنا.