تخطَّ إلى المحتوى
Search blog
Search blog…
كل المقالات

Articles

الهيئة الظاهرة للدعاء: ماذا كان يفعل النبي بيديه وصوته

للدعاء هيئة ظاهرة كما له حالة باطنة؛ جسد طاهر، ويدان تُرفعان بطريقة معينة، وبداية وختام. إليك ما نقلته الأجيال الأولى عن هذه الهيئة، صفحة بصفحة.

الكاتب
فريق معرض القرآن
تاريخ النشر
مدة القراءة
قراءة 4 دقيقة

يُستجاب الدعاء النابع من القلب؛ حيث اليقين، والحضور، والرجاء، والخوف، والشعور بالافتقار الحقيقي. وهذا الجانب له حديث آخر مستقل. أما ما يلي فهو النصف الآخر: الهيئة الظاهرة. ليس لأن الهيئة تجعل الطلب أكثر إلحاحاً، بل لأن هذه هي التفاصيل الدقيقة المروية عن كيفية دعاء النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته، والمؤمن الذي يبتغي الاقتداء بهم بحاجة إلى معرفة ما كانوا يفعلونه حقاً، لا ما يبدو مجرد مظهر من مظاهر التقوى.

أول تفصيل مروي قد يبدو مألوفاً: قبل أن تدعو، تطهر. يروي أبو موسى الأشعري أنه لما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم خبر أبي عامر -وقد أُصيب في المعركة- دعا بماء فتوضأ منه، ثم رفع يديه:

دَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ بِهِ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعُبَيْدٍ أَبِي عَامِرٍ

الصفحة 5/2345 من ، في باب “الدعاء عند الوضوء”.

ويضيف أبو موسى أنه رأى بياض إبطي النبي صلى الله عليه وسلم حين فعل ذلك، وهو تفصيل لا يستقيم إلا إذا رُفعت اليدان عالياً فوق مستوى الكتفين.

استقبال القبلة هو النصف الثاني من هذه الهيئة. يصف عمر بن الخطاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كان جيشه أقل عدداً بكثير صبيحة يوم بدر، وهو يفعل ذلك تماماً:

فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقِبْلَةَ ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ

الصفحة 3/1383 من .

وتتابع رواية عمر أنه استمر في الدعاء، ماداً يديه، ومستقبلاً القبلة، حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأعاده أبو بكر. تقدم كل رواية نصف الصورة؛ الوضوء في رواية أبي موسى، والقبلة في رواية عمر، لكن كلتيهما تتفقان على العنصر المشترك بينهما: رفع اليدين.

إن ذكر رفع اليدين في الحادثتين ليس من قبيل الصدفة. يروي سلمان عن النبي صلى الله عليه وسلم وصفه لما يحدث حين يرفع العبد يديه إلى الله:

إِنَّ رَبَّكُمْ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا

الصفحة 2/610 من .

وتوثق الصفحة ذاتها وصف ابن عباس لثلاث وضعيات مختلفة لليدين، ترتبط كل منها بنوع مختلف من الطلب: في المسألة العادية، ترفع يديك حذو منكبيك؛ وفي الاستغفار، تشير بإصبع واحدة؛ أما في الابتهال -وهو الدعاء الملح والمتضرع- فتمد يديك بالكامل، كما وصف كل من أبي موسى وعمر آنفاً. فالحركة ليست شكلاً واحداً؛ بل تتدرج بحسب ما تطلبه، والحادثتان المذكورتان تظهران أشد أشكالها إلحاحاً في الممارسة العملية، لا في الوصف النظري فحسب.

سمع فضالة بن عبيد، الصحابي الجليل، رجلاً يدعو في صلاته فشرع في مسألته مباشرة، دون أن يحمد الله أو يصلي على النبي. فعلق النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً: “عجل هذا”، ثم دعاه فقال له:

إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَمْجِيدِ رَبِّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ يَدْعُو بَعْدُ بِمَا شَاءَ

الصفحة 2/605 من .

الترتيب في الحديث مقصود وثابت: الثناء، ثم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وبعد ذلك فقط يأتي الطلب الفعلي. إن القفز مباشرة إلى المسألة هو ما جعل الرجل في الرواية يتلقى توجيهاً نبوياً، ولم يكن التوجيه عتاباً على ما طلبه، بل على الطريقة التي استفتح بها.

يخبرنا الله بوضوح عن الكلمات التي ينبغي أن نتوجه بها إليه:

وَلِلَّهِ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا …

سورة الأعراف، 7:180

فطلب الرزق يتوجه إلى “الرزاق”، وطلب الشفاء يتوجه إلى “الشافي”، وطلب الرحمة يتوجه إلى “الرحيم”. يُختار الاسم ليوافق الحاجة، ولا يُردد كصيغة جامدة، ويُستخدم في النداء مجرداً من أداة التعريف: “يا رزاق”، وليس “يا الرزاق”.

يروي ابن مسعود حادثة وقعت عند الكعبة حين استُهزئ بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، فلما قضى صلاته رفع صوته ودعا على من فعل ذلك. وفي سياق الحديث، يذكر ابن مسعود ملاحظة حول طريقة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بشكل عام:

وَكَانَ إِذَا دَعَا، دَعَا ثَلَاثًا، وَإِذَا سَأَلَ، سَأَلَ ثَلَاثًا

الصفحة 3/1418 من .

وتتابع الرواية لتذكر أنه سمى خصومه ثلاث مرات؛ فالطلب ذاته يُكرر، ولا يُستعجل فيه مرة واحدة ثم يُترك.

يصف القرآن كيف يخاطب أهل الجنة ربهم، ويجعل لدعائهم هيئة ذات بداية وختام:

دَعْوَىٰهُمْ فِيهَا سُبْحَـٰنَكَ ٱللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَـٰمٌ ۚ وَءَاخِرُ دَعْوَىٰهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ

سورة يونس، 10:10

يُفتتح دعاؤهم بالتسبيح ويُختتم بالحمد؛ فلا يُحشر شيء بعده، ولا يُترك أي طلب ليكون الكلمة الأخيرة. إنه نمط جدير بأن نطبقه في دعائنا المعتاد: أن نختمه كما بدأناه، بالجهر بحق الله تعالى.

التفصيل الظاهري الأخير يتعلق بمستوى الصوت، وقد ورد كأمر مباشر في القرآن:

ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً …

سورة الأعراف، 7:55

ليس الدعاء استعراضاً أمام من يشاركك المكان؛ فالعبد الذي أُمر بغض بصره وخفض صوته في كل شأن آخر، مأمور بخفض صوته هنا أيضاً. إن الطلب الخفي المهموس والطلب الصارخ لا يستويان في أدب سؤال الله، حتى وإن تطابقت الكلمات.

لا شيء من هذا يغني عما يعتمل في القلب أثناء الدعاء؛ فذلك موضوع آخر، وأعظم شأناً. لكن الهيئة الظاهرة ليست مجرد زينة تضاف إليه. فكل تفصيل مما سبق -الوضوء، والقبلة، ورفع اليدين حذو المنكبين أو مدهما بالكامل في الابتهال، وتقديم الثناء على المسألة، والتكرار ثلاثاً، والختم بالحمد، وخفض الصوت- هو توثيق لما شُوهد أو سُمِع شخص بعينه يفعله، وليس صيغة مُختلقة لاحقاً. وهذا ما يجعله جديراً بالاقتداء الدقيق بدلاً من اعتباره مجرد تفاصيل هامشية. وإذا كنت تبحث عن نقطة انطلاق للممارسة العملية بدلاً من الاكتفاء بالقراءة، فإن صفحة /adhkar تجمع الأدعية والأذكار اليومية في قالب صُمم خصيصاً لهذا الغرض.

تقبل الله ﷻ كل يد تُرفع إليه.