تخطَّ إلى المحتوى
Search blog
Search blog…
كل المقالات

Articles

الرجاء الذي يرفض اليأس: ماذا يطلب منك الرجاء حقًا؟

الرجاء ليس مجرد تفاؤل بما ستؤول إليه الأمور، بل هو عبادة محددة؛ إنه الأمل في رحمة الله الذي لا ينفك عن العمل، والمُنزَّه عن الانحدار إلى اليأس، والمبني على وعدٍ قطعه الله ﷻ على نفسه.

الكاتب
فريق معرض القرآن
تاريخ النشر
مدة القراءة
قراءة 6 دقيقة

كثيرًا ما تُختزل كلمتان في الدين في عبارة واحدة تتردد على الألسنة: “أرجو أن يغفر الله لي”. إن قيلت بوجهها الصحيح، فهي “الرجاء”؛ عبادة من العبادات التي يدين بها العبد لله ﷻ، حقيقية كالصلاة والصيام. وإن قيلت بوجه آخر، لتبرير حياة لا نية لتغييرها، فهي “التمني”؛ أمنية ترتدي ثوب الرجاء. قد تبدو الكلمتان متطابقتين في ظاهر العبارة، لكنهما عند الله ليستا كذلك، والفرق بينهما ليس مجرد نبرة صوت.

ينطلق الرجاء من اليقين في صفات الله ﷻ، لا من شعورك بمدى استحقاقك. إنه الثقة في سعة رحمة الله التي وصفها هو نفسه بأنها تسع “الذنوب جميعًا” دون استثناء:

۞ قُلْ يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا۟ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ

سورة الزمر، 39:53

تأمل هذا النداء. إنه لا يُوجَّه لمن عصموا أنفسهم من الزلل، بل لمن “أسرفوا على أنفسهم”، ومع ذلك لا يزال الله ﷻ يناديهم بـ “يا عبادي” قبل أن ينهاهم عن اليأس. من هذه الآية يستمد الرجاء شكله: فحجم رحمة الله، لا حجم صحيفتك، هو المعيار الذي يُقاس عليه الرجاء. ولهذا السبب يُعد الرجاء عبادة مستقلة بذاتها، وليس مجرد شعور مريح يعتري المؤمن؛ إنه عمل قلبي يتجه نحو الله ﷻ، ويُبنى على ما أخبرك به عن نفسه، تمامًا كالخوف والمحبة.

يضع علماء السلف الخط الفاصل في موضع واحد: أثر هذا الرجاء على سلوكك. وقد صاغ ابن القيم رحمه الله هذه الحقيقة في قاعدة دقيقة وموجزة، ضمن فصل عنونه بوضوح: “الفرق بين حسن الظن بالله والغرور”:

“حسن الظن بالله إن حمل على العمل وحث عليه وساق إليه فهو صحيح، وإن دعا إلى البطالة والانهماك في المعاصي فهو غرور، وحسن الظن هو الرجاء، فمن كان رجاؤه هاديا له إلى الطاعة، زاجرا له عن المعصية، فرجاؤه صحيح، ومن كانت بطالته رجاء، ورجاؤه بطالة وتفريطا، فهو المغرور.”

ورد هذا في الصفحة 38 من من كتابه الداء والدواء. المعيار الذي يضعه هنا ليس معيارًا استبطانيًا؛ إذ لا يُطلب منك أن تخمن مدى إخلاص قلبك، بل يمكنك ببساطة مراقبة ما يثمره هذا الرجاء. فالرجاء الذي يدفعك نحو الصلاة، ونحو الاستغفار، ونحو السعي لتكون غدًا أفضل من اليوم، هو الرجاء الحقيقي. أما الرجاء الذي تتخذه مجرد صك غفران للاستمرار في ما أنت عليه، فليس برجاء على الإطلاق؛ بل هو استعارة لمفردات الرجاء لتبرير ما لا يمكن للرجاء أن يبرره أبدًا.

وقد أشار الحسن البصري رحمه الله إلى الخلل ذاته من زاوية أخرى، من خلال مراقبة أحوال الناس بدلًا من الاكتفاء بتعريف المصطلحات. فقد نقل عنه القرطبي قوله:

“إن قومًا ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا بغير عمل، يقول أحدهم: إني أحسن الظن بربي، وكذب، لو أحسن الظن لأحسن العمل.”

ورد هذا في الصفحة 1/128 من من كتاب التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة. إذا جمعت بين القولين، ستجد أن القاعدة واضحة لا لبس فيها: الرجاء الحقيقي في الله لا ينفك عن الإقبال عليه. أما الرجاء الذي لا يطلب منك شيئًا، فلم يكن رجاءً في المقام الأول؛ بل هو “تمنٍّ”، واغترار يرتدي ثوب الرجاء.

إذا كان الرجاء بلا عمل ينحدر إلى الاغترار من جهة، فإن الخلل المقابل — وهو الاعتقاد بأن لرحمة الله حدًا بلغته ذنوبك أخيرًا — ينحدر إلى اليأس. والقرآن لا يتعامل مع اليأس كزلة بسيطة، بل يعتبره من سمات الكفر.

فقد يعقوب عليه السلام أحد أبنائه بسبب ما ظن أنه ذئب، ثم ها هو يرى ابنًا آخر يُؤخذ منه، فاشتد حزنه حتى “ابيضت عيناه من الحزن”. وحين أرسل أبناءه الباقين للبحث عن أخويهم، كانت هذه هي الوصية التي وجهها إليهم:

يَـٰبَنِىَّ ٱذْهَبُوا۟ فَتَحَسَّسُوا۟ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَا۟يْـَٔسُوا۟ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ ۖ إِنَّهُۥ لَا يَا۟يْـَٔسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ

سورة يوسف، 12:87

رجل كان يملك في تلك اللحظة كل الأسباب الدنيوية لليأس — فقدان ابنين، وعقود من الحزن، ولا دليل على أن شيئًا سيتغير — هو من اختاره القرآن لينطق بهذه الوصية. لم يخبر أبناءه أن بحثهم سيكلل بالنجاح؛ فهو لا يعلم ذلك، بل أخبرهم أن اليأس ذاته خيار مرفوض، وربط هذه الوصية بحقيقة الكافرين، لا بنتائج البحث. اقرأ هذا جنبًا إلى جنب مع الآية 39:53 المذكورة أعلاه، وستتضح لك معالم هذا الواجب: إن الله ﷻ لا يكتفي بجعل رحمته متاحة للتائبين، بل يحرّم على العبد أن يحكم من تلقاء نفسه بأنه قد بات خارج حدود هذه الرحمة.

إن أوضح بيان لسبب كون الرجاء مبررًا — بل ومطلوبًا، وليس مجرد أمر مباح — هو الوعد الذي قطعه الله ﷻ على نفسه في كيفية استجابته لما يظنه العبد به. فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

“يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي، إِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ، ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ، ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ هُمْ خَيْرٌ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا، تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا، تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً.”

ورد هذا في الصفحة 4/2061 من من كتاب صحيح مسلم. إن ما يعد به هذا الحديث القدسي ليس أن توقع الخير من الله يغير من حقيقة صفاته ﷻ — فرحمة الله لا تُصنع بتفاؤل العبد. بل ما يتغير هو ما يتلقاه العبد: فالعبد الذي يُقبل على الله راجيًا رحمته ومغفرته وقبوله، يجد الله عند ظنه تمامًا. والحركة الموصوفة هنا — شبر يُقابل بذراع، ومشي يُقابل بهرولة — ليست متكافئة، بل تسبق وتفوق ما قُدِّم. هذا التفاوت هو الحجة البالغة التي تجعل الرجاء، مقترنًا بالعمل الذي ذكره الحديث أيضًا (“تقرب”، “أتاني يمشي”)، جديرًا بالتمسك به، حتى وإن كانت صحيفة العبد لا تمنحه سببًا يُذكر للثقة في نفسه.

إن الرجاء إذا مُورس على وجهه الصحيح، فإنه يُحدث تغييرًا في بنية اعتماد الإنسان وتوكله، وليس في مزاجه فحسب. فالعبد الذي يعلق رجاءه بصدق في الله وحده، يكون في اللحظة ذاتها قد كف عن التعلق بجهده كضمانة، أو برضا الناس، أو بالنتائج التي لا يملك السيطرة عليها. إنه يواصل العمل — فالتمييز بين الرجاء والتمني المذكور آنفًا يقتضي ذلك — لكن ما يترقبه ليس ثمرة أدائه الشخصي، بل استجابة الله ﷻ لهذا الأداء. هذه هي العبودية بمعناها الدقيق: إقرار العبد الصريح بأنه لا يملك من أمره شيئًا لضمان النتيجة التي يرجوها، وهذا الإقرار في حد ذاته هو العبادة، وليس عجزًا عن الاعتماد على الذات. أما تعليق الرجاء بالمخلوقات — كالمدخرات، أو المكانة، أو الاعتماد على الآخرين — فهو توجيه لرجائك نحو أشياء لم يعدك الله بها، وكل واحد منها قادر على سلبك ما كنت تعول عليه. إن الرجاء الموجه لله هو النوع الوحيد من الرجاء الذي يتجه نحو من أخبرك، بكلماته المذكورة أعلاه، أنه لن يقابلك إلا بما هو أعظم وأكرم.

لا شيء من هذا يلغي خوف المؤمن من التقصير؛ فالخوف والرجاء متلازمان لا يحل أحدهما محل الآخر، والرجاء الذي يطرد كل خوف من الله يكون قد انزلق عائدًا إلى الاغترار المذكور آنفًا. لكن تصحيح هذا الخلل هو حديث آخر. إن ما يطلبه منك الرجاء تحديدًا هو أمر أدق، وبطريقته الخاصة، أكثر تطلبًا: واصل العمل، وداوم على التوبة، وارفق ذلك برفض قاطع — كواجب ديني، لا كمزاج شخصي — للسماح لصحيفة أعمالك بأن تقنعك بأن رحمة الله قد نفدت.

هذا الرفض يجب أن يُمارس عمليًا، لا أن يُعتقد به فحسب. وتضم مجموعة الأذكار في معرض القرآن الكلمات المأثورة من الذكر والدعاء التي صُممت خصيصًا لهذا الغرض — سؤال الله ﷻ بأسمائه التي تحمل أعظم معاني الرجاء، وطلب مغفرته بأسمائه الحسنى، في الأيام العادية التي لا تشهد أحداثًا جسامًا، وحيث تكون الفتنة الحقيقية هي الانجراف والغفلة بدلًا من اليأس.