تخطَّ إلى المحتوى
Search blog
Search blog…
كل المقالات

Articles

العودة بشخصية جديدة: ما الذي يُفترض أن يغيره الحج فيك

عادة ما يُوصف الحج بما يفعله الحاج، لكننا هنا نتناول ما يُفترض أن يفعله الحج في الحاج نفسه؛ المغفرة التي تمثل جوهره، والأجر المرتبط برحلة واحدة متقبلة، والحياة التي ينبغي للمرء أن يعيشها بعد عودته بشخصية جديدة.

الكاتب
فريق معرض القرآن
تاريخ النشر
مدة القراءة
قراءة 4 دقيقة

تهبط رحلة العودة من الحج كغيرها من الرحلات؛ تخرج الحقائب من الحزام الدوار ذاته، ولا يزال عليك البحث عن سيارة أجرة، وتنتظر العائلة في صالة الوصول لترى الوجه نفسه الذي ودعته قبل أسابيع. لا شيء في المطار يوحي بأن أمراً جللاً قد حدث. وحتى إن حدث، فلن يظهر في الصور الفوتوغرافية؛ لا في زحام الكعبة، ولا في بياض الإحرام، ولا في حرارة شمس عرفة. إن التغيير الحقيقي الذي يُفترض أن يحدثه الحج لا يكمن في أي من ذلك، بل يتجلى في أفعال الحاج في يوم عادي بعد ستة أشهر، حين لا يراه أحد، وتكون الجمرات والخيام قد أمست بعيدة جداً.

لنبدأ بما يُعرض علينا حقاً، لأنه يضع المعيار لكل ما سواه. فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

«العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة».

ورد هذا الحديث في الصفحة المطبوعة 2/629 من طبعة ، حيث يفسر المحقق كلمة “المبرور” بأنه الحج الذي لا يخالطه إثم. اقرأ هذه الجملة بتمهل؛ فمعظم العبادات تُوصف بأن لها أجراً يُقاس بغيره من الأجور، سواء كان مضاعفاً أم لا. لكن هذا الأجر وُصف بطريقة مختلفة: لا يوجد أجر آخر معروض له. فالجنة هنا ليست الجائزة الكبرى ضمن قائمة من الجوائز، بل هي الجائزة الوحيدة المذكورة. تُوزن رحلة واحدة متقبلة بالشيء الوحيد الذي لا يمكن للإنسان أن يشتريه بماله، ولا أن يرثه، ولا أن يستعيره. هذا هو حجم العطاء المعروض حتى قبل أن نأتي على ذكر منسك واحد من المناسك.

ويروي الراوي نفسه الحديث الذي يمنح الحج مكانته كبداية جديدة، وهو حديث يستحق أن يُقرأ في سياقه الأصلي بدلاً من ترديده كشعار. ففي باب ما جاء في معنى “لا رفث” في الحج عند البخاري، قال أبو هريرة رضي الله عنه إنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

«من حج هذا البيت، فلم يرفث، ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه».

ورد هذا في الصفحة المطبوعة 2/645 من طبعة ذاتها. وقد أورد البخاري هذا الحديث مباشرة تحت عنوان باب يحمل اسم الآية القرآنية التي يفسرها:

ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَـٰتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِى ٱلْحَجِّ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا۟ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ ۗ وَتَزَوَّدُوا۟ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ ۚ وَٱتَّقُونِ يَـٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ

سورة البقرة، 2:197

إن الحديث ليس وعداً منفصلاً يُضاف إلى الحج؛ بل هو وصف الله عز وجل للغاية من الحج، أعاد صياغته من عاشه وطبقه. وتأمل أيضاً في طبيعة الشرط؛ فهو ليس “من أتم العدد الصحيح من الأشواط” أو “من وقف في الساعة المحددة”، بل هو من اجتنب الرفث والفسوق طوال فترة الحج. فالتطهر الموعود هنا مرتبط بالسلوك والأخلاق، لا بمجرد أداء الحركات.

قد يسهل فهم هذا الحديث وكأنه زر لإعادة الضبط لا يتطلب من صاحبه أي جهد. لكن هذا ليس ما تقوله الآية ولا الحديث. فالشرط يتوسط الجملة ولا يقبع في هوامشها: “فلم يرفث ولم يفسق”. إن المغفرة حقيقية، ولكنها تُكتسب على امتداد الرحلة، ولا تتفعل بمجرد الوصول. فالحاج الذي يقضي أيامه في منى سريع الغضب مع جيرانه في الخيمة المجاورة، أو الذي يترك إحباطه من الزحام والحرارة يتحول إلى الرفث والفسوق اللذين نصت عليهما الآية، لم يبطل حجه، ولكنه استهلك خلال رحلته جزءاً من النقاء الذي كان يُفترض أن يعود به كاملاً في نهايتها. إن مقدار ما تعود به يُقاس بما حدث في الطريق.

هذا المبدأ ذاته — أن الجوهر يكمن في الباطن لا في الحركات الظاهرة — ورد بوضوح لافت في موضع آخر من القرآن الكريم، في سياق الحديث عن الهدي الذي يُذبح في موسم الحج:

لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَآؤُهَا وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا۟ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمْ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُحْسِنِينَ

سورة الحج، 22:37

إذا كانت الذبيحة ذاتها لا تصل إلى الله، بل ما يصله هو تقوى مقدمها، فلا بد أن ينطبق الأمر ذاته على كل فعل ظاهر من أفعال الحج. فالطواف بالبيت، والوقوف بعرفة، ورمي الجمرات؛ لا شيء من ذلك يمثل الغاية في حد ذاته. الغاية هي التقوى التي يُفترض أن تولدها هذه الأفعال لتعود بها إلى ديارك. فالحاج الذي يؤدي كل خطوة بشكل صحيح ولكنه يعود بالقلب ذاته الذي ذهب به — سريع الغضب، ومفرطاً في أمانات الناس، وغير مبالٍ بالصلاة بمجرد ابتعاده عن الحرم — قد حافظ على الشكل الظاهر وضيع الجوهر الذي شُرع هذا الشكل من أجله.

لهذا السبب، لا ينتهي أي شيء يتعلق بالحج في المطار. فالمقطع القرآني ذاته الذي يشرع مواقيت الحج يُختتم بآية قد يمر عليها القارئ مرور الكرام:

﴿… وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾

سورة البقرة، 2:203

لقد ذُكر الحج الذي انتهى للتو والحشر الذي لم يأتِ بعد في سياق واحد، وبقصد واضح. فالحج هو بروفة مصغرة ومتعمدة للوقوف بين يدي الله دون أن يتبقى لك شيء تختبئ خلفه؛ لا ثروة، ولا مكانة، ولا عذر. تقف مرتدياً لباساً كغيرك من الناس، ومسؤولاً عن الأشياء ذاتها التي يُسأل عنها الجميع. ومن أجرى هذه البروفة مرة واحدة، لا يحق له أن يتركها عند سير استلام الأمتعة. إن المغفرة الموصوفة أعلاه ليست شهادة تُعلق في إطار، بل هي رصيد افتتاحي. وما يحفظ هذا الرصيد أو يبدده هو سلوكك العادي في الأشهر والسنوات التي تلي الحج؛ صبرك على أقرب الناس إليك، وأمانتك في معاملات لا يراقبها أحد، وصلواتك التي تحافظ عليها دون أن يرافقك زحام منى، وطبعك الذي لم يعد يميل إلى الرفث والفسوق اللذين نصت الآية على أنهما يبطلان النقاء.

وهذه هي الإجابة الأكثر صدقاً على السؤال عما يجعل الحج “مغيراً للحياة”. ليس ذكرى الكعبة، مهما ظلت حية في الوجدان. بل يُقاس التغيير فيما بعد، في حياة تستمر في الوفاء بما فتحه حساب تلك الرحلة الواحدة.

والمضي قدماً في هذا الطريق يبدأ بالشيء ذاته الذي كان يُختتم به كل يوم في منى وعرفة: كلمات تُقال في ذكر الله، صباحاً ومساءً، سواء كان هناك حشد ترددها معه أم لا. وتضم مجموعة الأذكار في معرض القرآن الأذكار الصحيحة المخصصة تحديداً لتلك الأيام العادية بعد العودة؛ لفجر يومك الأول في بيتك، ولكل فجر يليه.