تخطَّ إلى المحتوى
Search blog
Search blog…
كل المقالات

Articles

عيد الأضحى بعيدًا عن مِنى: الصلاة، والتكبير، والوجبة المؤجلة

لن يقف معظم أبناء الأمة الإسلامية بمشعر مِنى في العاشر من ذي الحجة. أما بالنسبة لبقيتهم، فعيد الأضحى هو مسيرٌ إلى مُصلّى مفتوح، وتكبيرٌ يصدحون به طوال الطريق، وإفطارٌ يُؤخَّر عمدًا إلى ما بعد النحر؛ ثلاثة أفعال يسيرة تعود في أصلها إلى حدث عظيم.

الكاتب
فريق معرض القرآن
تاريخ النشر
مدة القراءة
قراءة 6 دقيقة

بالنسبة للقلة من الحجاج الواقفين بمِنى، يمثل العاشر من ذي الحجة جدولًا حافلًا بالمناسك: رمي الجمرات، والنحر، والحلق. أما بالنسبة لبقية المسلمين -وهم الغالبية العظمى ممن يحيون هذا اليوم- فهو صباح أبسط بكثير؛ إذ تمشي إلى الصلاة، وتجهر بالتكبير في طريقك إليها، وتنتظر وقتًا أطول من المعتاد لتناول طعامك. ولا شيء من هذا يُعد مجرد حشو أو هامش على الشعيرة “الحقيقية” التي تُقام في مكان آخر. فالمصادر الشرعية دقيقة في تفصيل كل جزء من هذه الأفعال، وفي بيان السبب الذي يجعل يومًا يبدو عاديًا كهذا يحمل اسمًا يجسد معنى التسليم المطلق.

قبل أن يُشرع عيد الأضحى، كان لأهل المدينة يومان يحتفلون بهما كل عام. يصف أنس بن مالك ما آل إليه أمرهما:

قَدِمَ رسولُ الله المدينةَ ولهم يَوْمَانِ يلعبون فيهما، فقال: «ما هذان اليومَان؟» قالوا: كنا نلعبُ فيهما في الجاهلية، فقال رسولُ الله: «إنَّ الله قَدْ أبدَلَكُم بهما خَيرَاً مِنهما: يَومُ الأضحى، ويَومُ الفِطرِ»

— سنن أبي داود، الصفحة المطبوعة 2/345 من ، الحديث رقم 1134، عن أنس بن مالك. وقد حكم محققو الطبعة على إسناده بأنه صحيح في حاشية الصفحة.

إذا تأملت هذا الحديث جيدًا، ستدرك أنه ليس مجرد استبدال لتاريخين في التقويم، بل هو إقرار بأن اليومين القديمين كانا خاليين من أي مضمون سوى اللعب، في حين أن اليومين الجديدين قد أُسسا على غاية عظيمة. وما يلي هو بيان لتلك الغاية: صلاة ذات هيئة مخصوصة، وكلمات يُجهر بها في الطريق إليها، ووجبة يُندب تأخيرها إلى وقت أبعد مما تشتهي.

يصف أبو سعيد الخدري هدي النبي صلى الله عليه وسلم الراتب، مبتدئًا بذكر المكان الذي كانت تُقام فيه الصلاة:

أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ يَخْرُجُ يَوْمَ الْأَضْحَى وَيَوْمَ الْفِطْرِ، فَيَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ، فَإِذَا صَلَّى صَلَاتَهُ وَسَلَّمَ، قَامَ فَأَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، وَهُمْ جُلُوسٌ فِي مُصَلَّاهُمْ

— صحيح مسلم، الصفحة المطبوعة 2/605 من ، الحديث رقم 889، عن أبي سعيد الخدري.

كلمة «المُصلّى» تعني ببساطة مكان الصلاة، لكنها تحمل دلالة خاصة هنا؛ فهي ليست «المسجد» الذي تُقام فيه الصلوات اليومية. لقد كان أهل المدينة يخرجون إلى أرض فضاء مشتركة تتسع لجميع الحاضرين، ثم يبقون جلوسًا بعد الصلاة للاستماع إلى ما سيقوله النبي صلى الله عليه وسلم. وسواء أكانت بلدة ما اليوم تصلي صبيحة العيد في ساحة مخصصة لذلك، أو في قاعة، أو في أكبر مساجدها، فإن الأمر مرهون بما يتسع له المكان، وقد فصّل الفقهاء القول في ذلك. لكن ما يقرره هذا الأثر هو الهيئة الجوهرية التي تسبق اختيار المكان: تجمع واحد، في مكان واحد، للمجتمع بأسره في آن واحد، وليس التوزع المعتاد على مساجد الأحياء.

بين الخروج من المنزل والوصول إلى ذلك المُصلّى، ثمة ما يُشرع الجهر به طوال الطريق. يروي نافع ذلك عن ابن عمر:

أَنَّهُ كَانَ إِذَا غَدَا يَوْمَ الْأَضْحَى وَيَوْمَ الْفِطْرِ يَجْهَرُ بِالتَّكْبِيرِ حَتَّى يَأْتِيَ الْمُصَلَّى ثُمَّ يُكَبِّرُ حَتَّى يَأْتِيَ الْإِمَامُ

— سنن الدارقطني، الصفحة المطبوعة 2/381 من ، الأثر رقم 1716، في بيان فعل ابن عمر كما رواه نافع.

هذا الأثر يروي فعل ابن عمر نفسه، وليس حديثًا مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقد اختلف الفقهاء في التحديد الدقيق لوقت بداية التكبير المطلق ونهايته في هذا الموسم، وهو خلاف معتبر بين المذاهب لا يتسع المقام لحسمه هنا. لكن ما يحسمه هذا الأثر هو هيئة المسير: فالتكبير ليس شيئًا تؤجله حتى تجلس وتوشك الصلاة أن تبدأ، بل هو الصوت الذي يملأ جنبات الطريق، يصدح به الناس بصوت مسموع يكفي لأن يعرف الغريب السائر في الاتجاه نفسه أي صباح هذا دون أن يخبره أحد.

كل تفصيلة أخرى في هذا اليوم تمهد للحدث الذي يمنحه طابعه الأبرز. يروي بريدة كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يغاير بين العيدين:

كَانَ رَسُولُ اللهِ لَا يَغْدُو يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ، وَلَا يَأْكُلُ يَوْمَ الْأَضْحَى حَتَّى يَرْجِعَ، فَيَأْكُلَ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ

— مسند أحمد، الصفحة المطبوعة 38/88 من ، الحديث رقم 22984، عن بريدة. وقد حكم محققو الطبعة على الحديث بأنه حسن لغيره في حاشية الصفحة، مع الإشارة إلى ضعف هذا الإسناد بعينه، لكنه يتقوى بطرق أخرى وردت باللفظ نفسه.

في عيد الفطر، يكون الترتيب: الأكل ثم الخروج؛ لأن الصيام الذي سُمي اليوم باسمه قد انقضى، ولم يعد هناك ما يُنتظر. أما في عيد الأضحى، فينعكس الترتيب، وهذا الانعكاس هو بيت القصيد؛ إذ تخرج أولًا، وتصلي، وبعد ذلك فقط -بمجرد إتمام النحر- تحين أول وجبة حقيقية في اليوم، وتكون من الأضحية نفسها. تُحيي الكثير من الأسر هذا اليوم بأضحية خاصة بها؛ وما تشترطه هذه الأضحية وعلى من تجب، فتلك مسألة أخرى. لكن ما يقرره هذا الحديث أبسط من ذلك، وينطبق سواء أكانت الأسرة تذبح بنفسها أم لا: في هذا اليوم، لا تكون الوجبة هي الحدث الأول في الصباح، بل هي مكافأة وُضعت عمدًا بعد التضحية بشيء آخر.

لا تفسر أي من السنن الثلاث المذكورة آنفًا سبب تسمية هذا اليوم بـ «الأضحى»، ولا السبب الذي يجعل الأضحية هي المحور الذي يدور حوله كل شيء. ولمعرفة ذلك، تتجاوز المصادر الشرعية حدود المدينة المنورة تمامًا، لتعود بنا إلى حوار دار بين أب وابنه:

فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْىَ قَالَ يَـٰبُنَىَّ إِنِّىٓ أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ أَنِّىٓ أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَـٰٓأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ

سورة الصافات، 37:102

تأمل ما لم يحدث في هذا الحوار. لم يعلن إبراهيم عليه السلام عن الرؤيا كأمر قاطع ثم يقتاد ابنه لتنفيذه، بل سأله عن رأيه؛ عارضًا أمرًا يدرك هو سلفًا أنه ملزم، ومنتظرًا إجابة تنبع من اختيار حر لا من إكراه. وفي المقابل، لم يماطل الابن، أو يفاوض، أو يسأل عن السبب، بل صحح صياغة أبيه قائلًا: إن المسألة ليست فيما ترى، بل فيما أُمرت به، فامضِ لما أُمرت. وتتكفل أربع آيات بسرد ما حدث بعد ذلك: استسلم كلاهما، وتلّه للجبين، وناداه صوت قبل أن يكمل النصل مهمته. ثم تأتي الآية التي سُمي اليوم باسمها:

وَفَدَيْنَـٰهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ

سورة الصافات، 37:107

الفداء ليس بديلًا يُقدم عوضًا عن الثمن، بل هو ما يُدفع بعد أن يوافق الطرفان على دفع الثمن كاملًا. لم يكن هناك أي شيء رمزي في ذلك الحوار بين الأب وابنه في حينه؛ فقد وافق شيخ طاعن في السن، انتظر هذا الولد طيلة حياته، على التضحية به بيده، ووافق الابن على أن يُضحى به، قبل أن يعلم أي منهما أن فداءً سيأتي. هذه هي المعاملة التي تصفها كلمة «التسليم» هنا؛ فهي ليست مجرد شعور، بل هي استسلام حقيقي وكامل لأحب الأشياء إلى قلبيهما، بُذل قبل أن تلوح أي بادرة على أنه سيُرد إليهما.

كل تفصيلة أخرى في هذا اليوم هي صدى مصغر وآمن لذلك الحوار. لا أحد ممن يمشون إلى المُصلّى هذا الصباح يُطلب منه التضحية بولده، لكن يُطلب منهم الترتيب نفسه للأفعال في صورة مصغرة: امضِ قبل أن تفهم السبب تمامًا، واجهر بكلمات التكبير في طريقك بدلًا من انتظار الشعور بالرغبة في قولها، واجعل وجبتك تأتي لاحقًا لا أولًا. لقد أخبر الله أهل المدينة أنه أبدلهم بيومين فارغين يومين خيرًا منهما. وما يجعل يوم الأضحى هو اليوم الأفضل ليس الصلاة، أو التكبير، أو الوجبة في حد ذاتها، بل لأن كلًا منها قد بُني عمدًا على هيئة اللحظة ذاتها التي لن يُبتلى بها أي منا بشكل مباشر أبدًا.


إن وجدتم فيما سبق أي خطأ -سواء في ترجمة حادت عن النص العربي، أو إحالة لصفحة لا تتطابق مع ما نقلناه، أو ادعاء تجاوز حدود ما يسمح به المصدر- فأخبرونا. فنحن نفضل أن نُقوَّم على أن نُترك على خطأ.

تقبل الله ﷻ التكبير الذي يصدح به كل سائر إلى المُصلّى هذا الصباح، ورزق كل من ينتظر وجبته الصبر الذي أُوتيه إبراهيم وابنه من قبل.