تخطَّ إلى المحتوى
Search blog
Search blog…
كل المقالات

Articles

ملاذ القلب الوحيد: ما يعد به الذكر وما لا يعد به

تذكر سورة الرعد أن الذكر هو السبيل الوحيد لطمأنينة القلوب؛ فهو ليس حلاً سحرياً لتغيير الظروف، بل تغييراً لعلاقة القلب بها. فما الذي يشمله هذا الوعد حقاً، وما الذي لم يُقصد به أبداً؟

الكاتب
The Quran Gallery team
تاريخ النشر
مدة القراءة
قراءة 5 دقيقة

تشترك معظم الأساليب التي يلجأ إليها الناس حين تضطرب قلوبهم في سمة واحدة: أنها مشروطة بتغير شيء ما أولاً. كأن تتلقى التشخيص الطبي الذي تنتظره، أو تنهي خلافاً، أو تحصل على وظيفة؛ وحينها -كما يُظن- سيزول القلق. وقد يحدث ذلك أحياناً لفترة وجيزة، حتى يلوح في الأفق أمر غامض آخر، فيعود الاضطراب ذاته باحثاً عن سبب جديد يلقي عليه اللوم. غير أن القرآن الكريم يذكر نوعاً مختلفاً من الطمأنينة، نوعاً لا ينتظر تغير الظروف أولاً.

يصف الله ذلك صراحة في سورة الرعد:

ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ ٱللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ

سورة الرعد، 13:28

الكلمة المعبرة عن “الراحة” هنا هي الطمأنينة، وهي مشتقة من الجذر اللغوي ذاته الذي يُستخدم لوصف سكون الأرض واستقرارها بعد رجفتها. فالطمأنينة ليست تبلداً في المشاعر ولا انعداماً للإحساس، بل هي عودة إلى السكون بعد الاضطراب. وتأمل أيضاً ما لم تقله الآية؛ فهي لم تقل إن القلوب قد تطمئن بهذا الطريق، أو أن الذكر مجرد خيار من بين خيارات عدة تستحق التجربة. بل خُتمت بكلمة ألا، وهي أداة تُستخدم في اللغة العربية للتنبيه على حقيقة قاطعة لا تقبل الجدل. فالآية تحدد سبيلاً واحداً لا سبلاً متعددة.

وهذه الدقة بالغة الأهمية، إذ كان من الأسهل تقديم وعد أكبر؛ كأن يُقال إن ذكر الله يحل المشكلة ذاتها: فيشفي المرض، أو يصلح العلاقة، أو يضمن الرزق. لكن الآية لم تقل ذلك، بل حددت ما الذي يتغير: ليس الظرف، بل القلب الذي يعيش في خضمه.

وقد صاغ النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى بعبارات أشد وقعاً، حين شبّه الفرق بين القلب الذي يذكر الله والقلب الذي يغفل عنه بالفرق بين الحي والميت:

مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لَا يَذْكُرُ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ

— رواه أبو موسى الأشعري، صحيح البخاري، الصفحة المطبوعة 8/86 من ، في باب فضل ذكر الله.

لا يعقد الحديث مقارنة بين التنفس ونبض القلب، فهذه أمور بديهية يشترك فيها كلا الشخصين. بل يفرق بين قلب يقظ موصول بالله، وآخر غافل عنه. وهذا أبلغ بكثير من القول إن “الذكر يساعدك على الشعور بالهدوء”؛ فهو يقرر أن القلب المنقطع عن الذكر ليس حياً بالمعنى الحقيقي للحياة، بغض النظر عن مدى فاعلية حياة صاحبه أو نجاحه الظاهري. وهذا يعني أن الحياة التي يبعثها الذكر في القلب لا تُشترط باستقامة الأمور أولاً. فقد تحيط بالمرء الخسائر من كل جانب، ومع ذلك يحمل بين جنبيه قلباً حياً بهذا المقياس. وفي المقابل، قد تتهيأ للمرء كل أسباب النجاح، ولكنه يحمل قلباً ميتاً.

عند الجمع بين الآية والحديث، يتبين لنا استبعاد أمرين غالباً ما يُتوقع بصمت أن يحققهما الذكر.

الأمر الأول هو تغير الظروف. فلا يوجد في النصين ما يشير إلى أن المرض سيزول، أو أن الحزن سينقضي في موعد محدد، أو أن النتيجة التي ترجوها ستتحقق. فحين وقف موسى وقومه أمام البحر وجيش فرعون يزحف خلفهم، لم تكن إجابته أن الخطر قد زال، بل كانت أن ربه معه وسيهديه (سورة الشعراء، 26:62). لقد كانت الأزمة قائمة بكامل ثقلها حين قال ذلك. فالذكر لم يمحُ الجيش من المشهد، بل غيّر ما كان يحمله موسى في قلبه والجيش لا يزال ماثلاً أمامه.

الأمر الثاني هو الاعتقاد بأن الذكر يعمل كصفقة عابرة؛ تقوله مرة، وتشعر به مرة، ثم تطوي صفحته. إن صياغة القرآن ذاتها تنفي هذا الفهم؛ فكلمة تطمئن فعل مضارع يفيد الاستمرار، أي قلوب تستمر في الطمأنينة، لا قلباً اطمأن مرة واحدة وبقي كذلك دون تعهد. فالذكر الذي يُقال مرة واحدة في أسبوع شاق لا يعادل الذكر الذي يُلازمه المرء طوال ذلك الأسبوع. إن السكون الموصوف هنا يُبنى بالتكرار والمداومة، ولا يُنال بترديد عابر.

وبالقراءة الحرفية، ينفي هذا أيضاً اتخاذ الذكر بديلاً عن السعي الذي يتطلبه الموقف. فالمؤمنون الذين يواجهون جيشاً في المعركة أُمروا، في السياق ذاته الذي أُمروا فيه بالثبات، أن يذكروا الله كثيراً (سورة الأنفال، 8:45)؛ فالذكر يأتي جنباً إلى جنب مع الثبات، لا بديلاً عنه. إن الذكر يورث الطمأنينة في القلب الذي يبذل الجهد، ولم يُشرع ليكون بديلاً عن العمل.

إذا كان الذكر لا يزيل الظرف، ولا يمثل حلاً سحرياً لمرة واحدة، فما هو الوعد الحقيقي إذن؟ يوضح حديث قدسي -يروي فيه النبي صلى الله عليه وسلم كلام الله- هذا الأمر بجلاء:

أَنَا مَعَ عَبْدِي إِذَا هُوَ ذَكَرَنِي، وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ

— سنن ابن ماجه، الصفحة المطبوعة 4/707 من ، حديث 3792، وصححه محققو الطبعة.

تأمل ذلك بعناية: الشرط هو الذكر، وما يتبعه هو المعية، لا حل المشكلة. قد يبدو هذا الوعد أقل شأناً من القول “لقد حُلّت مشكلتك”، ولكنه في الحقيقة أعظم مما يبدو عليه. إنه الفرق بين أن تواجه الصعاب وحيداً، وبين أن تواجهها بيقين أنك لست كذلك. فغالباً ما تكون الوحدة هي الجزء الأشد فتكاً في المحنة، وهي التي تحيل الموقف الصعب إلى حالة من اليأس. وهذا هو الجانب الذي يعالجه الذكر بشكل مباشر.

وهذا يفسر أيضاً لماذا يجب أن يكون الذكر صادقاً ومستمراً، لا مجرد أداء شكلي. فالكلمات التي تُردد دون استحضار لمعناها لا تثمر شيئاً؛ لأن الوعد مرتبط بحقيقة الذكر، لا بمجرد التلفظ بالكلمات. وتكمن أهمية المداومة في السبب ذاته الذي يجعل الاهتمام مهماً في أي علاقة؛ فالصاحب الذي لا تذكره إلا مرة في العام، ليس كمن تستحضر وجوده معك طوال اليوم.

لا ينبغي أن يبقى أي من هذا في حيز التنظير المجرد. فالذكر الذي تصفه الآية والحديثان ليس صيغة واحدة تُتلى مرة واحدة لغرض ما، بل هو تلك الأذكار القصيرة والمتكررة والمتراكمة التي يُفترض بالمرء أن يرددها في كل الأحوال: عند الاستيقاظ، وقبل النوم، وعقب كل صلاة، وفي لحظات الشدة. وما يجعلها ذكراً لا مجرد عادة هو حضور القلب: أن تقولها وأنت تعي معناها، وأن تعود إليها مراراً وتكراراً حتى يجد القلب ما يركن إليه ويطمئن به.

ولهذا السبب أيضاً، تحمل العبارات المألوفة والبسيطة وزناً أكبر مما يُظن. فجملة قصيرة مثل لا حول ولا قوة إلا بالله ليست مجرد زينة تُجمّل بها مشكلة مستعصية. بل إن قيلت بيقين، فهي الذكر عينه: اعتراف صريح بأنك لم تكن قط تحمل عبء النتائج بقوتك الذاتية، وردّ للأمر إلى من بيده مقاليد كل شيء. إن الطمأنينة التي تصفها سورة الرعد لا تتطلب صياغات معقدة، بل تتطلب أن تكون الكلمات صادقة حين تنطق بها، وأن ترددها مجدداً في كل مرة يغفل فيها القلب.

وهذا يفسر أيضاً لماذا يكون للورد اليومي الثابت أثر يفوق التوقعات. فالذكر الذي تحتاج إلى تذكر قوله سيتزاحم مع كل ما يطلب انتباهك في يوم شاق؛ فاليوم الذي تكون فيه بأمس الحاجة إليه هو ذاته اليوم الذي يسهل فيه نسيانه. أما ربط الذكر بأمر ثابت لا يتخلف، كربط أذكار الصباح والمساء بطرفي النهار، وأذكار الصلاة بالصلاة ذاتها، فيزيل هذه المزاحمة. لا يحتاج القلب أن يكون هادئاً بما يكفي ليتذكر الذكر قبل أن يبدأ في الطمأنينة؛ بل إن هذا البناء الثابت هو الذي يقوده إلى تلك الطمأنينة.

يجمع تطبيق الأذكار الخاص بنا هذه الأوراد -أذكار الصباح والمساء، والأذكار عقب كل صلاة، ومسبحة للأذكار التي يُسن تكرارها بعدد محدد- في مكان واحد، حتى لا تعتمد الطمأنينة التي تصفها هذه الآية على الذاكرة وحدها لتجاوز أسبوع شاق.