تخطَّ إلى المحتوى
Search blog
Search blog…
كل المقالات

Articles

ارفع بها صوتك: الذكر الذي تتطلبه هذه الأيام العشر حقاً

معظم العبادات في العشر الأوائل من ذي الحجة تتطلب تذكرة سفر، إلا عبادة واحدة لا تحتاج إلى ذلك. وقد ضرب لنا صحابيان جليلان أروع الأمثلة في تطبيقها، ليس في خلواتهما، بل بصوت عالٍ في الأسواق حتى رددها الغرباء معهما.

الكاتب
The Quran Gallery team
تاريخ النشر
مدة القراءة
قراءة 5 دقيقة

تكاد كل عبادة في هذا الموسم العظيم تتطلب من المرء مغادرة بيته؛ فالوقوف بعرفة يحتاج إلى خيمة في صعيد محدد، والأضحية تحتاج إلى بهيمة ومكان لنحرها، والطواف بالكعبة يفتقر إلى الكعبة ذاتها. فإن لم تكن مسافراً في ذي الحجة هذا العام، فإن معظم شعائر هذا الموسم -بالمعنى الحرفي- تجري في مكان آخر بعيداً عنك.

إلا أن هناك عبادة واحدة تستثنى من ذلك؛ فهي لا تحتاج إلى تذكرة سفر، ولا إلى أضحية، ولا إلى صعيد تقف عليه. كل ما تتطلبه هو لسان حر طليق يتحدث في شتى الأمور، ليوجه نحو غاية أسمى. وقد جاءت المصادر الشرعية دقيقة في وصف كيفية تطبيق هذه العبادة عملياً، ولم تكن قط عادة خفية تمارس خلف الأبواب المغلقة.

نقطة البداية هنا هي ما روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، الذي سمع النبي صلى الله عليه وسلم يخص هذه الأيام من العام بالذكر صراحة:

مَا مِنْ أَيَّامٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ وَلَا أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعَمَلُ فِيهِنَّ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ، فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ

— مسند أحمد، الصفحة المطبوعة 10/296 من ، حديث رقم 6154، عن ابن عمر. وقد أشار محققو هذه الطبعة إلى أن متن الحديث صحيح، مع التنبيه على ضعف هذا الإسناد بعينه لوجود راوٍ فيه وهو يزيد بن أبي زياد، وأن الحديث نفسه يتكرر في مواضع أخرى من المسند.

تأمل في ما لم يأمر به الحديث؛ فلم يقل صوموا هذه الأيام العشر، أو سافروا فيها، أو قفوا في مكان ما. بل كان الأمر قولوا؛ ثلاث كلمات قصار تُردد في أي مكان يتواجد فيه المرء. وهذا يجعل هذا التوجيه النبوي في متناول كل من يدرك هذا الموسم العظيم: سواء كان حاجاً يتنقل بين المناسك، أو مقيماً في بيته لا يؤدي أياً من تلك الشعائر.

كيف كان تطبيق الأمر بـ “الإكثار” في حياة الرعيل الأول؟ يجيبنا الإمام البخاري بمشهد حي لا بمجرد قاعدة فقهية، حيث افتتح باباً في فضل العمل في هذه الأيام بتفسير من ابن عباس للفظ القرآني الخاص بهذا الموسم، وهو “أيام معلومات”، والتي فسرها بأنها أيام العشر من ذي الحجة، ثم أورد جملة واحدة عن صحابيين جليلين من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم:

وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ يُكَبِّرَانِ وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا

— صحيح البخاري، الصفحة المطبوعة 2/20 من ، في باب فضل العمل في هذه الأيام. أورده البخاري هناك بغير إسناد متصل -وهو ما يسميه علماء الحديث بالمعلق- وإن كان قد ساقه بصيغة الجزم. وقد تتبع الألباني هذا الأثر وحكم بصحته، مشيراً إلى أن عبد بن حميد قد وصله بإسناد كامل من طريق عمرو بن دينار — إرواء الغليل، الصفحة المطبوعة 3/124 من كتاب .

تأمل هذا المشهد وما يصوره حقاً؛ فالسوق ليس مكاناً للعبادة، ولم يجتمع الناس فيه للذكر، بل للبيع والشراء. لقد دخل صحابيان من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم في غمرة هذا الضجيج المعتاد، وأحدثا فيه صوتاً مختلفاً، صوتاً عالياً بما يكفي ليلتقطه الغرباء ويرددوه من بعدهما. الذكر، في هذه الصورة، ليس شيئاً تخفيه خشية أن يسمعه الآخرون، بل هو شعيرة تملك الجرأة للجهر بها في مكان لم يُبنَ أصلاً لها، لتتركها تنتشر وتتجاوزك إلى غيرك.

وبعد جيل من ذلك الزمان، نظر المؤرخ والفقيه ميمون بن مهران إلى تلك العادة نفسها، فاستوقفه مدى اندثارها مقارنة بما كان يعهده. وقد حفظ لنا ابن رجب الحنبلي روايته من طريق المروزي:

أَدْرَكْتُ النَّاسَ وَإِنَّهُمْ لَيُكَبِّرُونَ فِي الْعَشْرِ، حَتَّى كُنْتُ أُشَبِّهُهُ بِالْأَمْوَاجِ مِنْ كَثْرَتِهَا، وَيَقُولُ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ نَقَصُوا فِي تَرْكِهِمُ التَّكْبِيرَ

— فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب الحنبلي، الصفحة المطبوعة 9/9 من كتاب .

هناك أمران يستحقان التوقف عندهما هنا. الأول: الصورة ذاتها؛ فليس الأمر مجرد كلمات متناثرة هنا وهناك، بل هو صوت متصل وكثيف لدرجة دفعت السامع إلى تشبيهه بأمواج البحر. والثاني: الشكوى التي تنطوي عليها هذه الكلمات. توفي ميمون بن مهران في القرن الهجري الثاني، فهذه ليست حسرة معاصرة على سُنة ضاعت في زحام الملهيات الحديثة. بل يبدو أن كل جيل منذ الرعيل الأول كان بحاجة إلى من يذكره بالجهر بالتكبير مجدداً. وهذا ليس مدعاة للشعور بالتقصير، بل هو دليل على أن باب التدارك مفتوح دائماً لمن أراد إحياء هذه السُنة. (ويستمر التكبير خلال أيام التشريق الثلاثة التي تلي العيد، وإن كانت صيغه وأوقاته هناك مبحثاً مستقلاً).

إذا جمعنا بين الحديث والمشهد السابق، تتضح لنا معالم هذا التوجيه النبوي. فالأيام العشر هي، عند الله، أثمن فترة زمنية يدركها المرء في عامه كله، والعبادة المخصصة لعمارتها لا تشترط الحج لأدائها. فبينما يقف غيرك بعرفة أو يسوق أضحيته إلى المنحر، فإنك في بيتك لست محروماً من فضل هذا الموسم. فهذه الكلمات الثلاث متاحة لك في طريقك إلى العمل، أو على مكتبك، أو أثناء غسل الأطباق، أو في مشيك إلى المتجر؛ وهي ذات الأوقات العادية التي اختارها ابن عمر وأبو هريرة رضي الله عنهما للجهر بالتكبير.

وما يضيفه مشهد السوق هنا هو تصحيح لافتراض طالما ارتبط بالذكر؛ وهو أنه شأن خاص، يُفضل إخفاؤه، ويكون أقرب إلى الإخلاص حين لا يسمعه أحد. غير أن هذا الافتراض لا يمت بصلة لما طبقه الرعيل الأول في هذه الأيام العشر. فقد جهروا به وهم يمشون للبيع والشراء، بصوت عالٍ يكفي ليقتدي بهم غيرهم. وهناك آية كريمة نزلت في ذكر الله عموماً، دون أن ترتبط بشعيرة أو موسم معين، تؤكد المعنى ذاته حول الأوقات التي ينبغي أن يقع فيها هذا الذكر:

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا

سورة الأحزاب، 33: 41-42

فالبكرة والأصيل ليسا أوقاتاً تعبدية معزولة عن بقية اليوم، بل هما ببساطة طرفا يوم عادي. وهذا هو التوجيه الكامل لمن سيقضي هذه الأيام العشر في مكانه المعتاد: لا يشترط مكاناً خاصاً، ولا صمتاً خاصاً، بل هي الكلمات الثلاث ذاتها، ترددها مراراً وتجهر بها بصوت مسموع، لعل من بجوارك يشاركك في ترديدها.

يجمع تطبيق الأذكار الخاص بنا الأذكار اليومية -أذكار الصباح والمساء وما بعد الصلوات- في مكان واحد لتقرأها أو تستمع إليها، كلما أدركتك هذه الأيام العشر وأنت في غرفتك المعتادة بدلاً من المسجد.

إن أخطأنا في نقل أو تخريج أو رقم صفحة هنا، فأخبرونا وسنقوم بتصحيحه علناً؛ ولهذا السبب، فإن كل إحالة في هذه الصفحة تفتح لك الصفحة المطبوعة التي نُقلت منها.

تقبل الله ﷻ التهليل والتكبير والتحميد في هذه الأيام العشر من كل من يلهج بها؛ سواء كان في مسجد، أو في سوق، أو وحيداً في مطبخه حيث لا يسمعه أحد.