Articles
إنما الأعمال بالخواتيم: كيف نودع رمضان بحسن الختام
الليالي الأخيرة من رمضان ليست مجرد وقت للاسترخاء. إليك خمس عادات مارسها السلف الصالح في ختام الشهر: الخوف من الرد، وسؤال القبول، والختم بالاستغفار، والحذر من العجب، وإخراج صدقة الفطر قبل بدء التكبير.
- الكاتب
- فريق معرض القرآن
- تاريخ النشر
- مدة القراءة
- قراءة 7 دقيقة
ثمة نوع خاص من الندم يراودنا في الثلث الأخير من رمضان. ليس شعوراً بالذنب تجاه ذنب بعينه، بل هو محاسبة هادئة للنفس: ليالي التراويح التي فوتناها في الأسبوع الأول، والختمة التي نوينا إتمامها ولم نفعل، وسرعة الغضب التي لم ننجح في ترويضها تماماً. وما إن تبدأ روائح الاستعداد للعيد تفوح في المساجد، حتى يبدأ معظمنا في تقييم شهره، وغالباً ما نمنحه تقييماً بأنه لم يكتمل كما ينبغي.
هذا الشعور الفطري ليس خاطئاً، لكنه يركز على الجانب الخطأ. فالسلف الصالح الذين تحدثوا عن هذه الأيام الأخيرة لم يكن جل همهم كيف بدأ الشهر، بل كان شغلهم الشاغل كيف ينتهي، لأن لديهم سبباً وجيهاً للاعتقاد بأن العبرة دائماً بالخواتيم.
لقد بين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بوضوح، حين وصف معركة كان فيها رجل يظن الجميع أنه من أهل الجنة، فقتل نفسه جزعاً من جراحه، ورجل آخر كان يُظن أنه من أهل النار، فقاتل بشراسة دفاعاً عن الإسلام حتى مات:
إِنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ وَإِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، الْأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ — صحيح البخاري، الصفحة المطبوعة 6/2436 من ، حديث رقم 6233، عن سهل بن سعد، في كتاب القدر، باب العمل بالخواتيم.
بقراءة بسيطة، نجد أن هذا الحديث ليس وعيداً للمقصرين، بل هو موجه للمحسنين الذين قد يغترون بأعمالهم فيتراخون. وإذا كانت حياة الإنسان بأكملها قد تنقلب بناءً على خاتمتها، فإن شهراً واحداً يمكن أن يكون كذلك أيضاً، ورمضان ينقضي في أيام معدودات لا في سنوات. ومهما كان حالك في العشرين ليلة الأولى، فإن الليالي الأواخر ليست مجرد تحصيل حاصل، بل هي -بالمعنى الحرفي للحديث- الجزء الأهم الذي يعول عليه.
هذا الفهم يعيد صياغة الغاية من هذه الأيام الأخيرة. فهي ليست محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من شهر تشعر أنك ضيعته، وليست جولة شرفية لشهر تظن أنك أديته على أكمل وجه. كلا الموقفين يخطئان الهدف، فالقصد هو أن تختم الشهر بوعي وقصد. وفيما يلي خمس عادات يجدر بنا التحلي بها ونحن نستقبل العيد، مستلهمة من هدي الرعيل الأول من المسلمين في تعاملهم مع هذه اللحظات الفارقة.
من الممكن أن تصوم كل يوم، وتقوم كل ليلة، ومع ذلك تخرج خالي الوفاض، إن لم يُتقبل منك شيء من ذلك. إنها فكرة مقلقة، لكنها حقيقة قرآنية. فالله عز وجل يربط القبول بصفة محددة، لا بكثرة العمل:
… نَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ التقوى ليست خط نهاية تعبره بمجرد صيام ثلاثين يوماً؛ بل هي الحالة القلبية التي شُرع الصيام لبنائها، ومن الوارد جداً أن تكمل أيام الشهر دون أن تدركها. هذه الفجوة بين أداء العمل وقبوله هي بالضبط ما يجسده موقف شهير في السيرة النبوية. فقد سألت عائشة رضي الله عنها النبي صلى الله عليه وسلم ذات مرة عن آية تصف المؤمنين الذين يتصدقون وقلوبهم وجلة، ظناً منها -وهو ظن منطقي- أن هذا الخوف يصدر ممن يقترفون المعاصي:
لَا، يَا بنية أَبِي بَكْرٍ - أَوْ: لا يَا ابنة الصِّدِّيقِ - وَلَكِنَّهُ الرَّجُلُ يَصُومُ وَيَتَصَدَّقُ وَيُصَلِّي، وَهُوَ يَخَافُ أَنْ لَا يُتَقَبَّلَ مِنْهُ — سنن ابن ماجه، الصفحة المطبوعة 5/288 من ، حديث رقم 4198، عن عائشة.
والآية نفسها صريحة في بيان أصحاب هذا الخوف:
وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَوا۟ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَٰجِعُونَ قد يبدو من الغريب أن تجعل من الشعور بالقلق تجاه عمل صالح قمت به للتو عادة لك، لكن هذه العادة تحديداً هي ما يفصل بين العبادة الحقيقية ومجرد الأداء الشكلي. فالذي يثق تماماً بأن صيامه كان خالياً من العيوب يتوقف عن محاسبة نفسه، أما الذي لا يزال يخشى عدم القبول فهو الذي يبقى يقظاً منتبهاً.
إذا كان القبول غير مضمون، فإن الاستجابة البديهية هي أن تسأله الله مباشرة. وهذا ما فعله إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام لحظة انتهائهما من أعظم مشروع بناء نُسب إلى نبي قط، ألا وهو رفع قواعد الكعبة:
وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَٰهِـۧمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَـٰعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ نبيان كريمان لم يقولا “لقد بنينا البيت” ثم يمضيا في حال سبيلهما. بل أنهيا العمل وتوجها على الفور بالسؤال عما إذا كان عملهما صالحاً متقبلاً، وكأن البناء ذاته كان الشطر الأصغر من المهمة. فإذا كان هذا هو حال من يرفع قواعد الكعبة، فهو حري بأن يكون حال كل من يختم شهر الصيام. إن دعاءً قصيراً تسأل الله فيه أن يتقبل صيامك وقيامك وصدقتك وتلاوتك للقرآن في هذا الشهر لا يكلفك سوى ثوانٍ معدودة، لكنه يعيد توجيه الشهر بأكمله نحو الغاية الصحيحة.
كل عبادة تستوجب استجابتين صادقتين في آن واحد: الشكر، لأن الله وفقك لأدائها أصلاً، والاستغفار، لأنك مهما بالغت في إتقانها، فإنها تظل قاصرة عما يليق بجلال الله. ورمضان ليس استثناءً من ذلك. فاشكر الله أن بلغك الشهر وأعانك على صيامه؛ فليس كل من بدأ رمضان معك سيتمه، وليس كل من يتمه قادراً على المشي إلى المسجد أو قراءة جزء كامل دون مشقة. ثم استغفر لخلل صيامك ونقصه: للأيام التي غلبك فيها الضيق بدل التفكر، ولليالي التي انتصر فيها النوم على القيام، وللسان الذي لم تصمه كما صمت بطنك.
وقد ارتبطت صدقة الفطر -التي سنأتي على ذكرها لاحقاً- تاريخياً بهذا المعنى الختامي تحديداً، فهي صدقة وُصفت في بعض الروايات بأنها طهرة للصائم من اللغو والرفث. وسواء صح عندك هذا الوصف من حيث السند أم لم يصح، فإن الفكرة الجوهرية لا تحتاج إلى إثبات: فشهر بهذه المشقة يصعب أن يُؤدى على وجه الكمال، والاستجابة الصادقة لذلك ليست اليأس، بل طلب المغفرة لجبر هذا النقص.
ثمة خطر خفي في إتمام شهر شاق بنجاح، ولا علاقة له بالكسل. إنه ذلك الرضا الهادئ عن النفس لإنجاز المهمة، والشعور -وإن لم تنطق به- بأنك تفوقت على من حولك ممن أفطروا بعض الأيام، أو تركوا التراويح، أو لم يفتحوا مصحفاً طوال الشهر. هذا الرضا مدمر تحديداً لأنه يرتبط بإنجاز حقيقي، مما يجعله أصعب في الملاحظة من الذنب الواضح.
العلاج هنا ليس في الشك في كل شعور إيجابي تجاه الشهر، بل في استحضار أمرين معاً: الشكر لله الذي وفقك للعبادة، والصدق مع النفس بأن هذه العبادة لا تمنحك الحق في التعالي على أحد. فأي تقوى حصدتها في هذا الرمضان إنما كانت بتوفيق من الله، لا برصيد من قوة الإرادة الشخصية يجعلك أرفع شأناً ممن كان حاله في رمضان مختلفاً. فالذي نام معظم الليالي واستيقظ في التاسع والعشرين نادماً، قد يكون -في الميزان الحقيقي- في منزلة خير ممن قام كل ليلة وختم الشهر معجباً بنفسه.
العمل الوحيد في هذه القائمة الذي يرتبط بوقت محدد بصرامة هو صدقة الفطر، وهي صدقة مفروضة، كانت تاريخياً مقداراً من الطعام، يخرجها كل فرد من أفراد الأسرة المسلمة قبل صلاة العيد:
فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ، وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ — صحيح البخاري، الصفحة المطبوعة 2/547 من ، حديث رقم 1432، عن ابن عمر، في كتاب الزكاة، أبواب صدقة الفطر.
تأمل بمَ ربط الحديث وقت الانتهاء: ليس بغروب الشمس الذي ينهي الصيام، ولا بيوم العيد عموماً، بل بالخروج إلى المصلى. إنها نافذة زمنية ضيقة، ومن السهل أن تنزلق إلى وقت مبهم “في فترة العيد” ليتحول بصمت إلى “بعد العيد” بمجرد أن ينشغل الصباح بالطعام وتجمعات العائلة. لذا، فإن تحديد المقدار الآن، قبل حلول الليلة الأخيرة، يزيل العقبة الأبرز التي غالباً ما تتسبب في تأخير إخراجها: ألا وهي التردد وعدم اتخاذ القرار.
لا شيء مما سبق يدعو حقاً للحزن على انقضاء الشهر. فرمضان لا يستحق الرثاء أكثر مما يستحقه امتحان صعب بعد الفراغ منه؛ فالمهم هو ما فعلته في الساعة الأخيرة قبل سحب الأوراق. العادات الخمس المذكورة أعلاه هي ما تصفه المصادر عن حال السلف في تلك الساعة الأخيرة: تفقد العمل خشية الرد، وسؤال القبول مباشرة، والختم بالشكر والتوبة بدلاً من مجرد الارتياح، والحذر من العجب الذي يولده إتقان العمل، وأداء الفريضة الوحيدة المرتبطة بوقت محدد.
ومهما كان حالك في هذا الرمضان، سواء بدأت بقوة من اليوم الأول، أو لم تستقم خطواتك إلا في العشر الأواخر، فإن التوجيه ذاته ينطبق عليك وأنت تستقبل العيد: حافظ على ما بنيته. فالتكبير في الطريق إلى صلاة العيد، وقيام الليل ولو بركعتين، والاستغفار؛ كل ذلك لا يحتاج إلى شهر خاص ليستمر. لقد منحك رمضان الانضباط، وليس في التقويم ما يفرض عليك أن توقف هذا الانضباط بانقضاء الشهر.
يجمع تطبيق الأذكار الخاص بنا أذكار الصباح والمساء وما بعد الصلوات في مكان واحد، وهو مفيد للمداومة على الاستغفار والذكر بعد أن يغيب نظام رمضان الذي كان يحفزك عليها.
إذا وجدت أي خطأ في عزو أو ترجمة أو تخريج في هذه الصفحة عند مراجعتك لها، فأخبرنا بذلك؛ فتصحيح الخطأ أهم لدينا من أن يُنشر المقال دون أن يُقرأ.
نسأل الله الشكور أن يتقبل صيامنا وقيامنا في هذا الرمضان، وأن يغفر تقصيرنا فيه، وأن يبارك فيما بنيناه ليمتد أثره في الشهور القادمة.