تخطَّ إلى المحتوى
Search blog
Search blog…
كل المقالات

Articles

آية الكرسي: أعظم آيات الحفظ في القرآن الكريم

آية واحدة من سورة البقرة وصفها النبي صلى الله عليه وسلم بأنها أعظم آية في كتاب الله، وعلمنا إياها لتكون حصناً من كل أذى حتى الصباح. نستعرض هنا ما تقوله المصادر المعتمدة حقاً، ونحقق في ادعاء شائع حولها تطلب منا بحثاً دقيقاً للوقوف على حقيقته.

الكاتب
فريق معرض القرآن
تاريخ النشر
مدة القراءة
قراءة 4 دقيقة

قلّما تجد شخصاً صلى خلف إمام في أي مكان في العالم لم يسمع هذه الآية تُتلى، سواء عرف اسمها أم لم يعرفه. تتألف آية الكرسي من خمسين كلمة من سورة البقرة (الآية 255)، وهي من أكثر نصوص القرآن الكريم اقتباساً، وتُطبع على اللوحات الجدارية، وتُقرأ قبل النوم أكثر من أي آية أخرى تقريباً. هذه المكانة الواسعة هي تحديداً ما يجعلها جديرة بالتدبر والتمحيص الذي نوليه لكل ما يتردد على الألسنة بكثرة: ماذا تقول الآية حقاً؟ وماذا قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم؟ وأي الادعاءات المرتبطة بها يثبت صحته عند تتبعه في بطون الكتب المطبوعة؟

﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُۥ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذْنِهِۦ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ ۖ وَلَا يَـُٔودُهُۥ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْعَظِيمُ﴾

(البقرة: 255)

سُئل الصحابي الجليل أبي بن كعب رضي الله عنه ذات مرة عن أعظم آية في كتاب الله مما يحفظه، فأجاب بأن الله ورسوله أعلم. فأعاد النبي صلى الله عليه وسلم سؤاله، وحينها أجاب أبيّ بمطلع آية الكرسي. فضرب النبي صلى الله عليه وسلم في صدره وقال: «واللهِ لِيَهْنِكَ العِلْمُ أبا المُنْذِرِ». دُوّن هذا الحوار في ، في باب فضل سورة الكهف وآية الكرسي.

لم تكن تلك الإجابة مجرد عاطفة، بل هي منزلة أقرها النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه، وحريّ بنا أن نتساءل عن السبب. تكرس الآية كلماتها الخمسين بالكامل لموضوع واحد: من هو الله. تفتتح الآية بلفظ الجلالة، ثم تنتقل إلى صفتين من أعظم صفاته — الحي والقيوم — قبل أن تتناول تنزهه عن الحاجة أو التعب، وملكيته المطلقة لكل ما في الوجود، والحدود المفروضة على الشفاعة، وسعة علمه، وعظمة كرسيه. لا توجد آية أخرى في القرآن الكريم تجمع هذا القدر من صفات الله جل جلاله في جملة واحدة.

وبعيداً عن منزلتها العظيمة، تحمل الآية وعداً محدداً لمن يقرؤها ليلاً. وُكّل أبو هريرة رضي الله عنه ذات مرة بحفظ زكاة رمضان. وعلى مدى ثلاث ليالٍ متتالية، أمسك بشخص يسرق حثيات من الطعام، وفي كل مرة كان يخلي سبيله بعد أن يشكو إليه الفقر. وفي الليلة الثالثة، عرض عليه السارق أمراً مقابل إطلاق سراحه قائلاً: «إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية: ﴿اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، فإنه لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح». فخلى أبو هريرة سبيله ونقل ما جرى للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: «أما إنه قد صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة؟ ذاك شيطان». ورد هذا الحديث في كتاب الوكالة من ، برقم 2311.

هناك أمران جديران بالملاحظة في هذه الرواية. الأول: أن الضمان مرتبط بفعل قراءة الآية كاملة قبل النوم، وليس بمجرد حملها كبركة عامة. والثاني: أن التصديق جاء من مصدر غير متوقع؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم لم ينفِ ما قاله السارق، بل أكده، مبيناً في الوقت ذاته حقيقة ذلك السارق.

هناك فضيلة ترتبط بهذه الآية وتتداول باستمرار، وتستحق منا أكثر من مجرد إشارة عابرة: أن من قرأها دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت. لم يكن تتبع هذا الادعاء أمراً يسيراً، وتجدر بنا الأمانة في بيان صعوبة ذلك.

يعود أصل الرواية إلى أبي أمامة رضي الله عنه، وقد أخرجها النسائي في كتابه «عمل اليوم والليلة»، وأوردها ابن حبان من طريق آخر في صحيحه بإسناد رجاله على شرط البخاري. وفي المقابل، أدرج ابن الجوزي هذا الحديث يوماً ما ضمن الأحاديث الموضوعة في كتابه المخصص لذلك — وهو حكم قاسٍ على أي حديث. لكن هذا الحكم لم يصمد؛ فقد وصف ابن حجر العسقلاني لاحقاً إدراج ابن الجوزي له بأنه غفلة واضحة منه، وصحح الحديث نقاد متأخرون كالمُنذري والألباني، حيث أورده الأخير في «صحيح الترغيب والترهيب» برقم 1595. يمكن الاطلاع على التفاصيل الكاملة لهذا الأخذ والرد — من حيث الرواة، وادعاء الوضع، ورده — في كتاب ، الصفحة 79.

نحن لسنا مؤهلين لإصدار مثل هذا الحكم بأنفسنا، ولا ندعي ذلك؛ بل ننقل ما خلص إليه هؤلاء العلماء الأعلام، ونشير بدقة إلى مواضع قراءته. والدرس المستفاد هنا يتجاوز هذه الرواية بعينها: فالفضيلة المرتبطة بآية محببة للقلوب تستحق ذات التدقيق الذي نوليه لأي ادعاء آخر، وذلك تحديداً لأنها محببة، وبالتالي تتردد على الألسنة دون أن يتوقف أحد للتحقق منها.

لا تطلب منا هذه الآية أن نحفظها لمجرد التبرك أو الزينة. إنها تصف خالقاً لا يعجزه حفظ ما خلق، يملك كل شيء دون أن يفتقر إلى أي شيء، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة. إن قراءتها قبل النوم، أو دبر الصلوات، أو حتى لمجرد استحضار عظمة من نناجيه في الصلاة، هي عودة متجددة لهذا الوصف في كل مرة — وتجديد للرسالة الواحدة التي أُنزلت الآية لترسيخها.

اقرأ السورة التي تنتمي إليها هذه الآية، آية بآية، على qurangallery.com/quran. وإذا وجدت أن أي اقتباس في هذا المقال لا يتطابق مع الصفحة المنسوب إليها، فأخبرنا — فهذا هو السبب الأساسي الذي يدفعنا لذكر أرقام الصفحات.

نسأل الله ﷻ أن يجعل هذه الآية حصناً وحفظاً لنا في الدنيا والآخرة.