Articles
بلا حساب: اقتصاد الجزاء في القرآن الكريم
يبدو الظلم في ظاهره خسارة محضة؛ بيوت تُهدم، وصحة تُسلب، وأرواح تُزهق دون مقابل. لكن القرآن الكريم يصف لنا حساباً من نوع آخر: فما يُسلب لا يضيع هباءً بل يتحول إلى رصيد باقٍ، وجزاء الصابرين يُوفى لهم "بغير حساب".
- الكاتب
- فريق معرض القرآن
- تاريخ النشر
- مدة القراءة
- قراءة 6 دقيقة
حين تتأمل الظلم من الخارج، يبدو وكأنه عملية حسابية لا تعرف سوى الطرح: بيت يُسلب، ورزق يُقطع، وروح تُزهق، ولا شيء يُضاف في الكفة الأخرى ليعيد التوازن. لا ينفي القرآن الكريم وقوع هذه الخسارة، بل يؤكد أن دفتر الحسابات الحقيقي ليس ذلك الذي يقرؤه الناس في الدنيا؛ فما يُسلب من المؤمن تحت وطأة الظلم لا يضيع سدى، بل يتحول إلى عائد وُصف بكلمات تأبى أن تخضع لمقاييس العد والإحصاء. ليس هذا وعداً بنتائج دنيوية قريبة، بل هو وعد بمصير ما يسلبه الظلم، سواء زال هذا الظلم في حياة المظلوم أم لم يزل.
أصرح ما يعبر به القرآن الكريم عن هذا المعنى هو لغة التجارة والبيع. يقول الله ﷻ:
۞ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ ۚ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِى ٱلتَّوْرَىٰةِ وَٱلْإِنجِيلِ وَٱلْقُرْءَانِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِۦ مِنَ ٱللَّهِ ۚ فَٱسْتَبْشِرُوا۟ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِى بَايَعْتُم بِهِۦ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ
تأمل الفعل: “اشْتَرَىٰ”؛ فهو لم يقل “سيعوض”، بل هي صفقة تمت وانعقدت بثمن معلوم ومحدد سلفاً. فما يغتصبه الظالم بالقوة، يخبرنا الله أنه قد اشتراه بالفعل، بثمن حدده سبحانه وجعله وعداً حقاً ملزماً في ثلاثة كتب سماوية. فليس هناك ما يُسلب من المؤمن قسراً ليُسجل كخسارة صافية في ميزان الله، لأنه لم يُسلب في الحقيقة، بل بُيع مسبقاً، وفق شروط كان المؤمن وحده - لا الغاصب - طرفاً فيها.
ويقرر القرآن الكريم مبدأً ثانياً إلى جانب المبدأ الأول: القيمة لا تتلاشى، بل تنتقل من مستقر إلى آخر. يقول الله ﷻ:
مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ۖ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ ۗ وَلَنَجْزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوٓا۟ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ
ليس في هذا إنكار لألم الفقد، بل هو بيان للمستقر الحقيقي الذي تُحفظ فيه الأشياء النفيسة. فالبيت، والجسد، والأهل في هذه الدنيا، بنص الآية الكريمة، مما “ينفد” ويفنى، بغض النظر عمن سلبه أو كيف سُلب. أما ما يُودع عند الله بصبر واحتساب فلا يطاله الفناء، ومعدل الصرف هنا ليس بمقدار المثل: فالجزاء يُحسب “بِأَحْسَنِ” ما كان يعمله المبتلى، لا بمجرد ما فقده.
ويؤكد الله المعنى ذاته لمن أُخرجوا من ديارهم على وجه الخصوص. فبعد أن وصف المؤمنين الذين هاجروا، وأُخرجوا، وأُوذوا، وقُتلوا، يسجل سبحانه استجابته لهم:
فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّى لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَـٰمِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ ۖ بَعْضُكُم مِّنۢ بَعْضٍ ۖ فَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ وَأُخْرِجُوا۟ مِن دِيَـٰرِهِمْ وَأُوذُوا۟ فِى سَبِيلِى وَقَـٰتَلُوا۟ وَقُتِلُوا۟ لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسْنُ ٱلثَّوَابِ
يرى المفسرون في هذه الآية استجابة لشكوى جالت في خواطر المؤمنين ولم تنطق بها ألسنتهم؛ خشية أن يضيع سجل معاناتهم في سبيل الله سدى. فجاء الرد شخصياً ومباشراً: “لَآ أُضِيعُ”، بصيغة المتكلم، ليكون ضماناً مباشراً من الله، لا مجرد قاعدة عامة.
ويحتفظ القرآن الكريم بأقوى عباراته لصفة واحدة بعينها: الصبر، ذلك الثبات عند الشدائد الذي لا يظهر عليه أي أثر للانهيار. يقول الله ﷻ:
قُلْ يَـٰعِبَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةٌ ۗ وَأَرْضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٌ ۗ إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ
إن عبارة “بِغَيْرِ حِسَابٍ” ليست مجرد كناية بلاغية عن “الكثرة”. فالحساب في لغة القرآن هو الموقف الذي تقفه كل نفس يوم القيامة، حيث تُوزن الأعمال بمثاقيلها. وحين يُقال إن الصابرين يُوفون أجرهم “بغير” هذا الحساب، فذلك يعني أن جزاءهم يقع خارج النظام الذي تُقاس به كل الأشياء الأخرى؛ فلا يمكن إحصاؤه، لأنه لم يُدرج أصلاً ككمية قابلة للعد.
هذا هو الجزاء المرتبط بنوع خاص من الابتلاء. وقد وصفه الله ﷻ قبل سورتين فقط من هذه السورة: ابتلاء “بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِ”، وأتبعه مباشرة بالأمر بتبشير أولئك الذين يقابلون فقدان الأرواح والممتلكات بقولهم: “إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ” (سورة البقرة، 2:155–156). فالصبر ليس استسلاماً سلبياً، بل هو تسمية الفاجعة باسمها الحقيقي، ورفض اليأس، ورد ملكية ما فُقد إلى من كان يملكه دائماً وأبداً.
أما من قُتلوا وهم يدفعون الظلم في سبيل الله، فيتحدث عنهم القرآن الكريم بمباشرة استثنائية؛ لكنه يتحدث عن فئة، واصفاً ما يصدق على كل من ينتمي إليها بصدق. وتحديد من ينتمي إلى هذه الفئة ليس حكماً يملك هذا المقال، أو أي كاتب، أن يصدره. فهذا الحكم مردّه إلى الله وحده، الذي يعلم ما وقر في قلب الإنسان في اللحظة الأخيرة من حياته. وما يلي هو ما ينطق به النص القرآني نفسه، نعرضه كما هو دون زيادة أو نقصان.
وَلَا تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَٰتًۢا ۚ بَلْ أَحْيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا۟ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ
تُفتتح الآيات بتصحيح - “وَلَا تَحْسَبَنَّ” - لظن قد يتبادر إلى ذهن القارئ، بأن الحياة التي ينهيها الظلم تُمحى ببساطة. وتجيب على هذا الظن بوصف حالة، لا بإصدار حكم على فرد بعينه: رزق، وفرح، وأمن من الخوف والحزن. أما المؤمنون الذين يموتون مهجرين أو في مكابدة المشاق دون أن يُقتلوا مباشرة، فيتلقون وعداً مشابهاً في موضع آخر - “لَيَرْزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا” و”لَيُدْخِلَنَّهُم مُّدْخَلًا يَرْضَوْنَهُۥ” (سورة الحج، 22:58–59) - ليمتد هذا الحساب الرباني ليشمل الفقد الذي يتكشف ببطء، لا في لحظة واحدة فحسب.
ولا يقتصر أجر الابتلاء على أشد صوره قسوة. فقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم جزاءً على أذىً أقل من ذلك بكثير، بعبارة جامعة لا تستثني شيئاً:
«مَا يُصِيبُ المُسْلِمَ، مِنْ نَصَبٍ وَلاَ وَصَبٍ، وَلاَ هَمٍّ وَلاَ حُزْنٍ وَلاَ أَذًى وَلاَ غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ»
ورد هذا الحديث في الصفحة المطبوعة 7/114 من كتاب . وتتدرج القائمة هنا بقصد من أكبر الابتلاءات إلى أصغرها، ثم تُختتم بالشَّوكة - وهي أهون إصابة يمكن تخيلها - لتجعل القاعدة ذاتها تنسحب على كل ما يقع بينهما. فإذا كان الخدش البسيط لا يُستثنى من هذا الحساب، فمن باب أولى ألا يخرج عنه أي أذى طال أمده أو عَظُم خطبه.
وتحدث النبي صلى الله عليه وسلم بالعبارات المباشرة ذاتها عن الجراح الجسدية التي يُصاب بها المرء في سبيل الله تحديداً:
«وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لاَ يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ، إِلَّا جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَاللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالرِّيحُ رِيحُ المِسْكِ»
ورد هذا الحديث في الصفحة المطبوعة 4/18 من كتاب . وتتوخى ألفاظ الحديث الدقة في الموضع ذاته الذي حاول هذا المقال أن يتوخى فيه الدقة: فجملة “وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ” ليست عرضية، بل هي في صلب الحديث؛ إقراراً من فم النبي صلى الله عليه وسلم بأن التحقق من النوايا والمقاصد مردّه إلى الله وحده، وليس لأي ناظر من البشر.
لا يُفهم من هذا كله دعوة للسكوت على الظلم، أو أن السعي لرفعه أمر لا طائل منه؛ فالقرآن الكريم يتناول مقاومة الظلم في مواضع أخرى بعباراته الخاصة، وليس هذا موضوع مقالنا. إن ما تؤسس له هذه الآيات وهذا الحديث هو معنى أخص، ولكنه في الوقت ذاته أرسخ: وهو أن حساب ما يُكابده المرء ظلماً محفوظ عند من لا تبلغه يد الظالم، وبعملة لا يملك الظالم أن يمسها، وبمعدل لا يملك الظالم أن يراه. قد تُسلب البيوت، والصحة، والأرواح؛ لكن سجل ما كابده المرء وهو مستمسك بإيمانه لا يمكن أن يُسلب، لأنه لم يكن يوماً في متناول يد الغاصب.
وللقراء الذين يرغبون في التأمل في هذه الآيات مطولاً، في سياقها الأشمل وضمن السورة التي وردت فيها، يوفر مصحف معرض القرآن النص العربي كاملاً، مع ترجمة وتفسير لكل آية على حدة. نسأل الله الشكور أن يكتب أجر كل مشقة تُكابد في سبيله كاملاً غير منقوص، وأن يفرّج كرب كل من يعانيها الآن.