تخطَّ إلى المحتوى
Search blog
Search blog…
كل المقالات

Reflections

الرب: الاسم الذي يحمل معاني الملك والتربية والتدبير

«Lord» هي الكلمة التي تلجأ إليها كل ترجمة، فتفقد بذلك جل معانيها. نظرة في ما يقوله مفسرو القرآن عن المعاني الحقيقية التي يحملها اسم «الرب»، وما يعنيه التوجه بالدعاء لمن هو رب المظلوم ورب من ظلمه في آن واحد.

الكاتب
فريق معرض القرآن
تاريخ النشر
مدة القراءة
قراءة 5 دقيقة

تترجم كل المصاحف الإنجليزية هذه الكلمة بطريقة واحدة: «Lord». كلمة واحدة تحل محل مصطلح تلقاه المخاطبون الأوائل بالوحي بلسانهم العربي بمعانٍ أوسع بكثير؛ فهو إقرار بمن يملكهم، ومن يربيهم على الخير، ومن يرزقهم، ومن له الكلمة الفصل في مآلهم، كل ذلك مجتمع في كلمة واحدة تتكرر في كل دعاء يلهج به المؤمن تقريبًا. وقبل أن نتساءل عما ينبغي أن يعنيه هذا الاسم لمن يرى معاناة الناس ويتساءل عن حكمة الله فيها، يجدر بنا أن نسأل عما تعنيه الكلمة ذاتها. والجواب لا يأتي من الترجمات، بل من أولئك الذين أفنوا أعمارهم في تفسير هذا الكتاب كلمة بكلمة.

تُفتتح الآية الثانية من القرآن الكريم بعبارة رددها معظمنا منذ نعومة أظفاره دون أن يتوقف عندها طويلاً: «الحمد لله رب العالمين». وفي تعليقه على هذه العبارة تحديدًا، يتوقف المؤرخ والمفسر ابن كثير (رحمه الله) لتعريف الكلمة ذاتها قبل الانتقال إلى ما يليها. فيكتب أن الرب هو «المالك المتصرف»، وأن الكلمة تُطلق في اللغة أيضًا على السيد، وعلى من يدبر أمرًا لإصلاحه، أي «المتصرف للإصلاح» .

إذا جمعت هذه المعاني الثلاثة معًا، تتضح لك معالم الكلمة. فالملكية هي الدلالة الأولى؛ وليست ملكية استئمان أو إعارة، بل ملكية لا يُسأل فيها المالك عما يفعل. والتدبير هو الدلالة الثانية؛ فالمالك لا يكتفي بحيازة الشيء، بل يوجه ما يحدث له توجيهًا فاعلاً. والإصلاح هو الدلالة الثالثة، وهو الجزء الذي تسقطه كلمة «Lord» تمامًا؛ فالاتجاه الذي يسير فيه هذا التدبير هو نحو ما فيه خير للمربوب. فالرب، وفقًا لهذا التعريف، ليس ملكًا بعيدًا يصادف أنه يملك ما يحكمه، بل إن الملكية والرعاية هما علاقة واحدة يُعبر عنها من وجهين.

ثم يضيف ابن كثير قيدًا يغير من طريقة تلقينا للاسم برمته. فيشير إلى أن كل معنى من هذه المعاني الثلاثة يصدق حقيقة على علاقات المخلوقين أيضًا؛ فالمرء قد يكون «مالك» الدار، أو «سيد» الأسرة، أو من يدبر أمرًا لإصلاحه. لكن كلمة «رب» ذاتها لا تُطلق على إنسان قط إلا مضافة إلى شيء: فتقول «رب الدار»، أو «رب كذا»، وتأتي دائمًا مضافة إلى شيء مملوك. أما «الرب» هكذا بإطلاق - أي الاسم مجردًا، معرفًا بالألف واللام دون أن يتبعه شيء - فلا يُطلق على أحد سوى الله. ويذكر أن بعض العلماء عدّوه من أعظم أسمائه الحسنى لهذا السبب تحديدًا .

وهذا القيد ليس مجرد لطيفة نحوية. بل يعني أن الملكية والتدبير والسعي نحو الخير التي يحملها اسم «الرب» ليست موزعة بين ملاك كثر كما هو الحال في الدار أو الأسرة. فليس ثمة مخلوق يملك شيئًا من ذلك على وجه الإطلاق، دون أن يكون تابعًا لمن هو فوقه، ودون قيد يحد مما يسيطر عليه فعليًا. فالله وحده هو من يملك ذلك كله ملكًا تامًا، على كل أحد، بلا استثناء، ودون أن يحتاج الاسم إلى ما يُضاف إليه ليقوم به.

﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾

سورة الفاتحة، 1:2

إن عبارة «العالمين» ليست مجرد تحسين لفظي. بل تعني الجميع: كل أمة، وكل جيل، وكل معسكر في كل طرف من أطراف أي صراع نشب على وجه الأرض. هذه هي الآية التي يرددها المؤمن في مستهل كل صلاة، وهي تلزم الداعي بحقيقة محددة: أيا كان من ندعو عليه، وأيا كان من ظلمنا، وأيا كان من يوقع بنا الظلم في هذه اللحظة، فهم أيضًا يندرجون ضمن «العالمين». لم يصبح الله ربهم فقط حين طُلب منه التدخل لصالح من آذوهم؛ بل كان ربهم من قبل، بكل ما تحمله الكلمة من معاني الملك والتدبير والسوق نحو الخير، قبل أن يوجد أي طرف من أطراف هذه المظلمة.

قد لا تكون هذه الفكرة مريحة للنفس، والقرآن لا يتركها مجردة في الأذهان. بل يجسد المواجهة مباشرة، في قصة طاغية قيل له بوضوح تام في ملك من يقف.

أُرسل موسى وهارون (عليهما السلام) إلى فرعون بمقدمة واحدة: «إنا رسول رب العالمين» سورة الشعراء، 26:16. فكان رد فرعون استخفافًا متخفيًا في صورة سؤال:

﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾

سورة الشعراء، 26:23

لم يجادله موسى في رده، بل اكتفى ببيان النطاق الذي لا يملك فرعون أن يخرج نفسه منه:

﴿قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ ۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ﴾

سورة الشعراء، 26:24

يمثل فرعون أوضح صورة للطاغية في القرآن؛ فهو الرجل الذي استعبد شعبًا، وقتل أبناءهم، وادعى أنه ربهم الأعلى. والمواجهة التي اختار الله أن يعرضها ليست حول «في صف من يقف رب العالمين». بل حول أن فرعون نفسه، على ما هو عليه من طغيان، لا يملك حتى حق التساؤل عما إذا كان هناك رب يعلوه. فهو لا يملك من أمر نفسه شيئًا. وكل دلالة ذكرها ابن كثير - من الملك، والتدبير، والسوق نحو الصلاح - تنطبق على جسد فرعون ومملكته تمامًا كما تنطبق على الشعب الذي كان يسحقه. فالطاغية لا يُستثنى من الخضوع لحكم الاسم الذي يأبى أن ينطق به.

إذا كان رب المظلوم ورب من ظلمه واحدًا، وله حكم على كليهما لا يملك أحدهما الخروج منه، فإن صرخة المظلوم لا تتلاشى في كون غير مبالٍ. بل تصل إلى المالك نفسه الذي له كامل التصرف فيمن ظلمه.

وقد نص النبي (صلى الله عليه وسلم) على ذلك صراحة بقوله: «ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ لَا شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ الْوَالِدِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ»، وهو حديث حسن لغيره في الصفحة المطبوعة 2/639 من . ويقول الله عن نفسه، مخاطبًا الجميع بالاسم ذاته الذي تتبعناه في هذه التأملات:

﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدْعُونِىٓ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾

سورة غافر، 40:60

قد لا تبدو تلك الاستجابة، من موقع المظلوم، وكأن شيئًا يتحرك على الإطلاق. لكن تعريف ابن كثير نفسه يفسر لنا لماذا لا يعد هذا التفاوت تناقضًا: فالرب هو «المتصرف للإصلاح»، والتدبير نحو الصلاح، في ميزان رب يملك كل أحد وكل شيء بلا استثناء، لا يلتزم بالضرورة بالجدول الزمني الذي يختاره الداعي. فما يضمنه الاسم ليس توقيتًا محددًا. بل يضمن أن الملكية حقيقية، وأن التدبير فاعل، وأن المآل يتجه نحو الخير، بما في ذلك الحساب الذي لا يزال مستحقًا على كل من تسبب في الأذى.

إذن، قولنا «ربنا» ليس نداءً عابرًا. بل هو إقرار بالملكية على كل من المتألم ومن يتسبب في الألم، وإقرار بتدبير لا يملك أيهما الفرار منه، وإقرار بأن ما يسمح هذا الرب باستمراره لبعض الوقت لا يعني أنه يمر دون حساب. فكل دعاء يفتتح بـ «الحمد لله رب العالمين» هو عودة من المؤمن إلى رحاب هذا الإقرار، نيابة عن كل من لا يزال ينتظر أن يتجلى له ذلك عيانًا.

إذا أردت أن تتأمل هذا الاسم بلغته الأصلية - كيف يتكرر في القرآن، وماذا تقول كتب التفسير المعتمدة عند كل موضع - فإن قارئ معرض القرآن يعرض لك النص العربي، والترجمة، والتفسير جنبًا إلى جنب، آية بآية.