تخطَّ إلى المحتوى
Search blog
Search blog…
كل المقالات

Articles

أجر الحج دون سفر: خمس روايات، نحققها واحدة تلو الأخرى

خمس روايات تَعِدُ بأجر الحج أو العمرة على أعمال يسيرة: الجلوس للذكر بعد الفجر، والمشي إلى المسجد لطلب العلم، وعمرة في رمضان، وبر الوالدين. تتبعنا كل رواية حتى مصدرها، وذكرنا حكمها كما ورد في مظانه، مع تنبيه هام لا تغني عنه هذه الروايات مجتمعة.

الكاتب
فريق معرض القرآن
تاريخ النشر
مدة القراءة
قراءة 6 دقيقة

غالبية من يقرأ هذه السطور في ذي الحجة ليسوا في منى؛ بل هم على مكاتبهم، أو في مطابخهم، أو في طريقهم إلى أعمالهم، يتابعون عبر الشاشات موسماً يعيشه آخرون على أرض الواقع. ومن السهل أن تُقرأ الروايات التالية على أنها مجرد مواساة، أو شيء يسير يُقدَّم لمن فاته الفضل العظيم. لكن الأمر ليس كذلك تماماً. فإذا أمعنت النظر، ستجد أن كل رواية منها تحدد عملاً يسيراً ومألوفاً، وتربطه بأجر تصفه المصادر بمصطلحات الحج أو العمرة؛ ليس لأن هذا العمل هو الحج بعينه، بل لأن ما يتطلبه من أعمال القلب يقاربه في الفضل، فجاء الوصف بالعبارات ذاتها.

وقبل الشروع في هذه الروايات الخمس، نؤكد على أمر بالغ الأهمية: لا شيء مما يلي يُسقط فريضة الحج عمن استطاع إليه سبيلاً. فكل عالم نقل هذه الروايات إنما نقلها لمن لم تجب عليهم الفريضة بعد، أو لأصحاب الأعذار من المرضى والفقراء، أو لمن لا يزال ينتظر أداء حجة الإسلام. فقد نص الله ﷻ على الفريضة في القرآن الكريم نصاً قاطعاً لا يقبل البديل:

… وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ

سورة آل عمران، 3:97

فالرواية التي تشبه أجر عمل ما بأجر الحج لا تُقرأ في معزل عن هذه الآية، بل تُقرأ إلى جانبها، وتُوجَّه لمن لم تشملهم الآية بعد. وبعد تقرير هذا الأصل، نستعرض فيما يلي خمس روايات شاع تداولها تحت عنوان “نل أجر الحج دون سفر”، محققة وموثقة من مصادرها الأصلية.

هذه الرواية هي الأكثر تداولاً بين الخمس، وإسنادها واضح. فقد روى أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

مَنْ صَلَّى الْغَدَاةَ فِي جَمَاعَةٍ ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَتْ لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ

— سنن الترمذي، حديث رقم 586، الصفحة المطبوعة 1/582 من . وعقب إيراد الحديث مباشرة، قال الترمذي نفسه: “هذا حديث حسن غريب” (أي رُوي من هذا الوجه فقط). وهذا الحكم هو حكم الترمذي نفسه في صلب كتابه، وليس تعليقاً من محقق متأخر.

وتتابع الرواية بتأكيد النبي صلى الله عليه وسلم بكلمة كررها ثلاثاً: “تامة، تامة، تامة”، وقد حفظها عدة رواة كجزء من الحديث. ولا شيء هنا يتطلب سفراً؛ فكل ما تحتاجه هو مسجد، ومجلس، وساعة تقضيها مستيقظاً بعد صلاة الفجر.

تربط رواية ثانية عن أبي أمامة أجراً مشابهاً بعمل أيسر من ذلك؛ فهو لا يتطلب البقاء بعد الصلاة، بل مجرد الإقبال عليها على هيئة مخصوصة:

مَن خرج من بيتِه مُتطهراً إلى صلاةٍ مكتوبةٍ فأجرُه كأجر الحاجِّ المُحرِم

— سنن أبي داود، حديث رقم 558، الصفحة المطبوعة 1/418 من . وقد علق محقق الطبعة، شعيب الأرنؤوط، في الصفحة ذاتها قائلاً: “إسناده صحيح”.

ويمضي الحديث ليقارن أجر صلاة الضحى بأجر العمرة، وأجر صلاة تعقبها صلاة لا لغو بينهما بعمل “مكتوب في عليين”. وما يعنينا هنا هو الشطر الأول الذي يذكر الحج، لكن من المهم أن نتأمل سياق الحديث كاملاً؛ فهو لا يصف مناسبة استثنائية، بل يتحدث عن الصلوات الخمس التي يؤديها المؤمن كل يوم، مبيناً عِظَم أجر استحضار النية والقلب فيها.

وتذكر رواية أخرى عن الراوي نفسه، أبي أمامة، أخرجها الطبراني، عملاً يسيراً ثالثاً:

مَن غَدا إلى المسجدِ لا يريد إلاّ أنْ يتعلم خيراً أو يُعلِّمه، كان له كأجرِ حاجٍّ، تامّاً حجَّتُهُ

— صحيح الترغيب والترهيب، حديث رقم 86، الصفحة المطبوعة 1/145 من كتاب ، حيث حكم عليه الألباني بأنه “حسن صحيح”، وذكر أن إسناده يمر عبر “المعجم الكبير” للطبراني — وهو إسناد وصفه بأنه “لا بأس به” — وأن الحافظ العراقي قد حكم عليه في موضع آخر بأنه “جيد”. وتُشير الصفحة ذاتها إلى رواية في “المستدرك” للحاكم تقسم الأجر إلى قسمين: فالنية الصالحة العامة في المسجد تنال أجر عمرة، بينما يختص طلب العلم أو تعليمه بأجر حجة تامة — وهي رواية صححها الحاكم على شرط البخاري، ووافقه الذهبي.

وهذه الرواية بالذات هي أكثر الروايات الخمس التي قد يُبالغ في رفع درجتها عند النقل المتساهل. فكثير من المصنفات المتأخرة تكتفي بإيراد المتن وتغفل ذكر الحكم عليه؛ ولكن عند العودة إلى التحقيق، نجد أن الرواية ترتقي إلى درجة الحسن من أكثر من طريق، بناءً على تحقيق علمي رصين لا مجرد تكرار.

على خلاف الروايات الثلاث الأولى، لا تحتاج هذه الرواية إلى حكم محقق؛ فهي في صحيح البخاري، ومتفق عليها بين البخاري ومسلم. يروي ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رجع من حجته، سأل امرأة من الأنصار، وهي أم سنان، عما منعها من الحج معه:

لَمَّا رَجَعَ النَّبِيُّ مِنْ حَجَّتِهِ، قَالَ لِأُمِّ سِنَانٍ الْأَنْصَارِيَّةِ: مَا مَنَعَكِ مِنَ الْحَجِّ، قَالَتْ: أَبُو فُلَانٍ، تَعْنِي زَوْجَهَا، كَانَ لَهُ نَاضِحَانِ حَجَّ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَالْآخَرُ يَسْقِي أَرْضًا لَنَا. قَالَ: فَإِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً مَعِي

— صحيح البخاري، حديث رقم 1863، الصفحة المطبوعة 3/19 من .

ومن الأهمية بمكان قراءة هذا الحديث في سياقه الحقيقي بدلاً من تناوله كشعار مجرد. فلم تكن أم سنان تخير بين الحج وعمل أدنى منه؛ بل كان الجمل الوحيد الذي تملكه الأسرة للعمل مشغولاً بالسقي، ولم يكن لديها حقاً سبيل للحج في ذلك العام. ولم يخبرها النبي صلى الله عليه وسلم أن الفريضة قد سقطت عنها، بل أرشدها إلى الباب المفتوح أمامها حين أُغلق الباب الآخر. وهذا هو الطابع الذي يغلب على كل رواية في هذا المقال: إنها جواب لمن سُدَّت أمامه، في الوقت الحالي، سبل الوصول إلى البيت الحرام.

هذه الرواية هي الأقل شبهاً بالروايات الأربع الأخرى، ويجدر بنا توضيح السبب بدقة. فليس في دواوين السنة التي بين أيدينا حديث يقابل “بر الوالدين” مباشرة بالحج أو العمرة بهذه الألفاظ. لكن ما تذكره المصادر، في رواية صحيحة وكثيرة التداول عن عبد الله بن عمرو، هو الآتي:

جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْجِهَادِ، فَقَالَ: أَحَيٌّ وَالِدَاكَ. قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ

— صحيح البخاري، حديث رقم 2842، الصفحة المطبوعة 3/1094 من ، وأخرجه مسلم أيضاً. وقد أوضح تعليق المحقق في هذه الطبعة جواب النبي صلى الله عليه وسلم بجلاء: ابذل جهدك في إرضائهما وخدمتهما، ويُكتب لك أجر الجهاد في سبيل الله.

هذا الحديث يتحدث عن الجهاد، كما بوب له البخاري نفسه، ولا ذكر للحج فيه البتة. غير أن الفقهاء قاسوا الحج والعمرة عليه مباشرة، مستندين إلى المنطق ذاته الذي بُني عليه الحديث: وهو أن حق الوالدين مُقدَّم على نوافل العبادات، أياً كانت. وقد نص أحد متون الفقه الحنبلي على هذا القياس كحكم فقهي، لا كحديث نبوي، واستدل بهذه الرواية ذاتها:

وَلِكُلِّ مِنْ أَبَوَيْ حُرٍّ بَالِغٍ مَنْعُهُ مِنْ إِحْرَامٍ بِنَفْلٍ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، كَنَفْلِ جِهَادٍ

— كتاب “شرح منتهى الإرادات” لابن النجار الفتوحي، الصفحة المطبوعة 4/18 من ، والذي يذكر هذا الحديث كأحد أدلته، وينقل الحكم ذاته عن مالك والشافعي وجمهور العلماء.

وبعبارة أوضح: لا تقول المصادر “بر والديك تنل أجر الحج”، بل تقول شيئاً أدق، وربما أرسخ: يحق للوالدين شرعاً منع ولدهما من حج التطوع أو العمرة، تماماً كما يحق لهما منعه من جهاد التطوع؛ لأن القيام بحقهما يشغل بالفعل الحيز الذي كانت ستشغله تلك العبادة. فإذا كان والداك هما السبب في عدم وجودك في منى هذا العام، فإن الحكمين المذكورين أعلاه هما ما تقدمه لك المصادر حقاً: ليس مجرد استبدال مسمى بآخر، بل هو حق واجب عليك لا يسعه حج التطوع أن يتجاوزه.

إذا قرأنا هذه الروايات الخمس مجتمعة، نجدها تشير إلى أمر واحد: قلبٌ معلقٌ بالبيت الحرام، يبذل وسعه في أي باب يُفتح له؛ سواء كان المسجد الذي يمكنك بلوغه، أو الركعتين بعد الفجر، أو شهر رمضان الذي يظلنا كل عام، أو والدك الذي يشاركك سقف البيت. لا شيء من هذه الأعمال يُعد حيلة لإسقاط الفريضة، وحتى لو جمعتها كلها في عام واحد فلن تعدل حجة الإسلام؛ فكل عمل منها قائم بذاته، وبشروطه، لا أكثر.

وهنا نعود إلى التنبيه الذي يدور حوله هذا المقال بأسره: إذا رزقك الله ﷻ المال والصحة لأداء الفريضة ولم تحج بعد، فهذه الروايات الخمس ليست موجهة لك في هذه المرحلة. إنها مكتوبة لمن عذرته الآية الكريمة المذكورة آنفاً، لا لمن لا يزال يختلق الأعذار لتأجيل الفريضة.

وإن أخطأنا في عزو صفحة، أو في نقل حكم إسناد، أو تجاوزنا في فهم نص عما يحتمله السياق العربي في أي موضع أعلاه، فأخبرونا؛ فكل اقتباس في هذه الصفحة مزود برابط يحيل إلى الصفحة المطبوعة التي نُقل منها، ليتسنى للقارئ التحقق منه بنفسه، لا مجرد التسليم به.

تقبل الله ﷻ كل قلب توجه نحو بيته الحرام في ذي الحجة هذا، سواء توجه إليه ساعياً على قدميه، أو من مقعده الذي لم يبرح مكانه.