تخطَّ إلى المحتوى
Search blog
Search blog…
كل المقالات

Articles

الأيام المتبقية: ماذا تفعل في مكة بعد انتهاء عمرتك

لقد تمت عمرتك، ولكن إن كنت لا تزال في رحاب الحرم، فإن الأجور المتاحة لم تنتهِ بعد. إليك ما يمكنك فعله فيما تبقى لك من وقت: الطواف التطوعي، والدعاء عند الملتزم، والمحافظة على الصلوات، وصلاة الجنازة التي قد لا تتاح لك فرصة إدراكها إلا هنا.

الكاتب
فريق معرض القرآن
تاريخ النشر
مدة القراءة
قراءة 5 دقيقة

لقد تحللت من إحرامك، وأتممت طوافك وسعيك، وحلقت شعرك أو قصرته. من الناحية الفقهية، فقد انتهت عمرتك. ولكن إن كنت لا تزال واقفاً في ساحات الحرم - سواء كان ذلك في عصر اليوم الذي يسبق رحلة عودتك، أو قبل أسبوع من استئناف حياتك المعتادة - فإن رحلتك لم تنتهِ بعد، وكذلك الأجور العظيمة المتاحة لك هناك. إن ما تفعله في الوقت المتبقي لك في مكة ليس مجرد هامش للعمرة التي أتممتها للتو؛ بل إنه بالنسبة للكثيرين ممن تكبدوا عناء السفر إلى هذه البقاع، يصبح الجزء الذي يخلد في ذاكرتهم أكثر من غيره.

لا يترك القرآن اللحظات التي تعقب أداء المناسك للتخمين، بل يوجه خطابه المباشر للحجاج والمعتمرين قائلاً:

فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَـٰسِكَكُمْ فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءَابَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ۗ فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا وَمَا لَهُۥ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ

سورة البقرة، 2:200

تأمل الفعل بعناية: قضيتم، أي بمجرد أن تنتهوا. التوجيه هنا ليس بالتراخي في الذكر الذي رافقك طوال الطواف والسعي، بل بأن تجعله أشد وأقوى مما اعتدت عليه. بل إن الآية الكريمة تسمي الفخ الذي يتربص بك في هذه اللحظة تحديداً: وهو الدعاء الذي يقتصر على مطالب الدنيا وحدها، وكأن الجزء الشاق قد انتهى، ولم يعد الطلب بحاجة إلى الجدية ذاتها. إن الأيام التي تلي العمرة مخصصة لعكس ذلك تماماً؛ لذكرٍ يفوق في قوته ما دخلت به في إحرامك، لا أن يتراجع دونه.

ليس هناك ما يلزمك بمغادرة المسجد بمجرد فراغك من ركعتي الطواف. فكل طواف إضافي تؤديه حول البيت الحرام ما دمت هناك هو عبادة مستقلة بذاتها، وقد وصفها النبي صلى الله عليه وسلم بعبارات واضحة ومحددة. فقد روى ابن عمر رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

«مَنْ طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ أُسْبُوعًا فَأَحْصَاهُ، كَانَ كَعِتْقِ رَقَبَةٍ، لَا يَضَعُ قَدَمًا وَلَا يَرْفَعُ أُخْرَى إِلَّا حَطَّ اللَّهُ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً، وَكَتَبَ لَهُ بِهَا حَسَنَةً، وَرَفَعَ لَهُ بِهَا دَرَجَةً»

دُوّن هذا الحديث في الصفحة المطبوعة 9/514 من ، وهي طبعة حسّن محققوها إسناد هذا الأثر. لاحظ ما لم يعد به الحديث: فهو لم يضاعف الأجر عشر مرات أو مائة مرة كما تزعم بعض الروايات المتداولة، بل وصف حسنة تُكتب بكل خطوة، وخطيئة تُحط بكل خطوة، ودرجة تُرفع في كل مرة. وهذا بحد ذاته فضل عظيم يكفي لجعل كل ساعة فراغ تقضيها في الحرم جديرة بأن تُستثمر في طواف إضافي بدلاً من مجرد الجلوس في الساحات.

بين الحجر الأسود وباب الكعبة مساحة قصيرة من الجدار تُعرف بالملتزم، وهو لغةً “المكان الذي يُلزم ويُعتنق”. وكان ابن عباس رضي الله عنهما يلصق جسده بهذا الموضع تحديداً، وهناك أثر محفوظ عنه يوضح سبب تسميته بذلك:

«مَا بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ يُدْعَى الْمُلْتَزَمَ، لَا يَلْزَمُهُ عَبْدٌ فَيَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ»

دُوّن هذا الأثر في الصفحة المطبوعة 5/492 من . فإذا تيسر لك مكان هناك، فلا تضيعه في التقاط الصور. ألصق صدرك ووجهك بكسوة الكعبة كما وصف ابن عباس، واسأل الله ما تحتاجه حقاً؛ وابدأ بطلب المغفرة، فأنت تقف موقف المذنب الذي يتشبث بثوب من أخطأ في حقه، مستميتاً في ألا يُفلت حتى يُعفى عنه.

كل صلاة تُؤدى داخل المسجد الحرام تحمل وزناً وفضلاً لا يضاهيه أي مسجد آخر على وجه الأرض. فقد روى جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

«صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ»

أثبت المحققون هذا الحديث في الصفحة المطبوعة 2/412 من وصححوا إسناده. وهذا الفضل ليس مبرراً للاكتفاء بأداء الصلوات الخمس المفروضة وحسب. بل صلِّ كل واحدة منها في جماعة بحضور قلب تام، ثم استثمر ما تبقى من وقتك في أداء السنن الرواتب التابعة لكل صلاة، وصلاة الضحى في أول النهار، والتهجد إن كنت مستيقظاً في الثلث الأخير من الليل؛ لأن أجر كل ركعة من هذه النوافل يُضاعف أيضاً ببركة البقعة التي تقف عليها.

في كل صلاة تقريباً في مكة أو المدينة، من المحتمل أن تجد نفسك حاضراً لصلاة جنازة؛ حيث يحتشد المصلون للصلاة على شخص لن تعرف اسمه أبداً، يُصلى عليه بين فريضة وأخرى. اغتنم هذه الفرصة، خاصة إذا كانت صلاة الجنازة من الأمور التي نادراً ما يتسنى لك حضورها في بلدك. فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

«مَنْ شَهِدَ الْجَنَازَةَ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ شَهِدَهَا حَتَّى تُدْفَنَ فَلَهُ قِيرَاطَانِ»، قِيلَ: وَمَا الْقِيرَاطَانِ؟ قَالَ: «مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ»

دُوّن هذا الحديث في الصفحة المطبوعة 1/445 من . قف لأداء هذه الصلاة، وتعلم الأدعية التي تُقال بعد التكبيرات إن لم تكن تعرفها مسبقاً، ودع هذه اللحظة تؤدي الغاية منها: أن تذكرك، وأنت تقف على بُعد أمتار قليلة من جسد ملفوف في كفن، بأن كل ما أمضيت أيامك في السعي وراءه من عبادات إنما هو استعداد لهذه اللحظة بالذات.

هناك سبب يجعل كل من وقف أمام الكعبة يصف الشعور ذاته عند المغادرة؛ وهو أن القرب منها لا يروي الظمأ أبداً، والبعد عنها لا يورث السكينة قط. وقد لاحظ العلماء الذين كتبوا عن البيت الحرام - قبل وقت طويل من شيوع السفر الذي جعل تكرار الزيارات أمراً معتاداً - هذا الانجذاب نفسه: فمجرد إضافته إلى الله تعالى، بصرف النظر عن كل فضيلة أخرى جُعلت فيه، يكفي لتفسير سبب استمرار القلوب في شتى بقاع الأرض في التوجه نحوه، وازدياد شوقها إليه كلما نالت منه نصيباً.

إن كان موعد رحلتك لا يزال على بُعد أيام، فاقضها على النحو الذي وصفه هذا المقال: طواف إضافي، ودقائق معدودة عند الملتزم، ومحافظة على الصلوات، وصلاة جنازة على شخص لا تعرفه. أما إن كنت ستغادر اليوم، فاحمل معك هذا الشعور إلى وطنك: ذكراً ينمو ولا يذبل، وصلوات لم تعد تفرط فيها، وقلباً يظل متجهاً نحو هذا البيت حتى وإن كنت في بلد لا تراه فيه أبداً.

لقد انتهت المناسك، لكن العادات التي شُرعت لتغرسها فيك لا ينبغي أن تنتهي عند بوابة المطار. تضع مجموعة الأذكار من معرض القرآن الأذكار اليومية - من أذكار الصباح والمساء، والأدعية التي تُقال دبر كل صلاة، وما يُقال في صلاة الجنازة - في متناول يدك، لترافقك تحديداً في الأيام التي تلي العمرة، حيث يسهل التفريط في الانضباط رغم كونه أحوج ما يكون للحفظ. تقبل الله ما أتممته من عمل، وجعل ما تبقى من رحلة عودتك إلى ديارك أحب إليه وأرضى.