Articles
الوضوء: الجزء من الصلاة الذي يسبق وقوفك
يأمر القرآن الكريم بالوضوء، ثم يتبعه ببيان الحكمة منه في أسلوب فريد. نستعرض هنا ما ورد في الأحاديث عما يغسله الماء من خطايا، وما يصح وما لا يصح من الأذكار بعد الوضوء، وركعتي الوضوء اللتين تختصان به دون الصلاة التي تليه.
- الكاتب
- The Quran Gallery team
- تاريخ النشر
- مدة القراءة
- قراءة 8 دقيقة
بالنسبة لمعظم الناس، لا تبدأ الصلاة بتكبيرة الإحرام، بل تبدأ عند صنبور الماء قبل ذلك بدقيقة أو دقيقتين، في تلك الفسحة الفاصلة بين الانتهاء من عمل والبدء في آخر. ولا يتعامل القرآن الكريم مع تلك الدقيقة على أنها مجرد تمهيد للأمر بالصلاة، بل يجعلها جزءاً أصيلاً منه؛ إذ يأتي الأمر بالصلاة والأمر بالوضوء في الآية ذاتها:
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغْسِلُوا۟ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ وَٱمْسَحُوا۟ بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَيْنِ … نادراً ما تُعلل آيات الأحكام نفسها، لكن هذه الآية تفعل ذلك في ختامها:
… مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ الغاية المنصوص عليها هنا ليست النظافة، بل هي الطهارة وإتمام النعمة، وهو وصف قد يبدو غريباً لعملية غسل الذراعين، إلا إذا كان هناك أمر آخر يحدث في الوقت ذاته. وهذا الأمر الآخر هو ما تُوليه الأحاديث الواردة في فضل الوضوء جُلّ اهتمامها.
أكثر هذه الأحاديث تفصيلاً يتتبع أعضاء الجسد عضواً عضواً، ويربط كل جزء يُغسل بالخطيئة التي اقترفها:
إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنَيْهِ مَعَ الْمَاءِ، فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَ مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ كَانَ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ الْمَاءِ، فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا رِجْلَاهُ مَعَ الْمَاءِ، حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنَ الذُّنُوبِ — صحيح مسلم، الصفحة المطبوعة 1/215 من
، عن أبي هريرةوهناك حديث آخر عن عثمان بن عفان يضع حداً بالغ الدقة يصعب تجاوزه: الخطايا تخرج من الجسد حتى تخرج من تحت الأظفار، غير أن الجملة تُفتتح بشرط: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ». تجد هذا الحديث في الصفحة المطبوعة 1/216 من
، في الصفحة التالية مباشرة من الباب نفسه.هذا الشرط يحمل دلالة جوهرية؛ فليس في أي من الحديثين ما يربط الفضل بمجرد ملامسة الماء للبشرة، بل يربطانه بالوضوء الذي يُؤدى على وجهه الصحيح وبحضور قلب. وهذا يمنحك أمراً ملموساً تستحضره في ذهنك أثناء الوضوء، وليس مجرد نية روحانية مبهمة. إنه بمثابة جرد للأعمال؛ فقد حدد الحديث الفئات سلفاً: ما نظرت إليه، وما بطشت به يداك، وإلى أين سعت قدماك. وهكذا، يتشكل التأمل تلقائياً وأنت تغسل ذراعيك.
هناك نوع من الوضوء خصه النبي صلى الله عليه وسلم بالذكر، وهو الوضوء الشاق:
أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ — صحيح مسلم، الصفحة المطبوعة 1/219 من
، عن أبي هريرةتتمحور هذه الفقرة حول كلمتين. المكاره تعني ما يشق على النفس وتستثقله، وقد فسرها الشرح المطبوع مع هذه الطبعة بإسباغ الوضوء في البرد الشديد، أو عند المرض الذي يؤلم فيه مس الماء. أما الرباط فهو لزوم الثغر في مواجهة العدو: أي البقاء في موضع شاق لأن التخلي عنه قد يفتح ثغرة يتسلل منها الخطر.
وعليه، فإن صنبور الماء البارد في صباح شتوي مظلم ليس عقبة تحول دون العبادة، بل هو، وفقاً لهذا الحديث، العبادة ذاتها، والمشقة التي تشعر بها هي الجزء الذي تُؤجر عليه. وتتجلى أهمية هذا المنظور الجديد في الأيام التي تفتر فيها همتك، ولعل هذا هو السبب الذي قيل من أجله الحديث أصلاً.
كما تمنح الأحاديث الوضوء دوراً بعد الموت، في مشهد صُور في المقبرة:
السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا سأل الصحابة الحاضرون عما إذا كانوا هم إخوانه، فأجابهم بأنهم أصحابه، أما إخوانه فهم الذين لم يأتوا بعد. ولما سُئل كيف سيعرف قوماً لم يلتق بهم قط، أجابهم بسؤال من عنده:
أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا لَهُ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ بَيْنَ ظَهْرَيْ خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ، أَلَا يَعْرِفُ خَيْلَهُ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنَ الْوُضُوءِ، وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ — صحيح مسلم، الصفحة المطبوعة 1/218 من
، عن أبي هريرةمن الأهمية بمكان قراءة الحديث حتى نهايته الفعلية بدلاً من التوقف عند مشهد التعرف عليهم، لأن الحديث لا ينتهي هناك. فالرواية ذاتها تتابع لتخبرنا أن أقواماً سيُذادون عن ذلك الحوض كما يُذاد البعير الضال، وأنه سيناديهم فيُقال له إنهم بدلوا بعده. فالعلامة وُصفت كأداة للتعرف، لا كضمان للنجاة. وأي سرد يكتفي بالنصف المبشر ويُسقط النصف الثاني المنذر، إنما يصف حديثاً آخر غير الذي بين دفتي الكتاب.
وردت أذكار تُقال في ختام الوضوء، وهنا نجد أن المصادر الأصلية تتوخى دقة تفوق ما هو متداول بين الناس.
الرواية الواردة في صحيح مسلم، عن عقبة بن عامر، موجزة؛ تقتصر على الشهادتين ولا شيء غيرهما:
مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُسْبِغُ الْوَضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ، يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ — صحيح مسلم، الصفحة المطبوعة 1/209 من
أما الصيغة التي يتعلمها معظم الناس فتضيف جملة أخرى: «اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين». هذه الزيادة وردت في سنن الترمذي، في الصفحة المطبوعة 1/72 من
، ولم يوردها الترمذي دون تعقيب؛ بل كتب تحت الحديث مباشرة أن إسناده مضطرب، وأنه لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب شيء كبير. وقد حكم محقق هذه الطبعة بصحة الحديث *دون* تلك الجملة الأخيرة، مشيراً إلى أن بقية الدواوين ترويه خلوّاً من هذه الزيادة.ليس هذا مدعاة للتوقف عن قول هذه الجملة؛ فمضمونها دعاء يجوز لأي مسلم أن يدعو به بكلماته في أي وقت، وهو مقتبس بشبه حرفية من وصف القرآن الكريم لمن يحبهم الله. لكنه مدعاة لعدم ربط الوعد بفتح أبواب الجنة الثمانية بهذه الزيادة، فما يربط صحيح مسلم هذا الوعد به هو الشهادتان.
وهناك صيغة ثانية تُذكر غالباً إلى جانبها: «سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك»، والتي يُقال بعدها إن هذه الكلمات تُكتب في رَقٍّ وتُطبع بطابع فلا تُكسر إلى يوم القيامة. ورد هذا في كتاب السنن الكبرى للنسائي، في الصفحة المطبوعة 9/37 من — وقد أورده النسائي هناك مرتين، مرة مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ومرة موقوفاً على أبي سعيد الخدري، ثم عقب بقوله إن الرواية المرفوعة خطأ، والصواب هو الموقوف على أبي سعيد.
ورد التوجيه بالبدء ببسم الله في صيغة موجزة وقاطعة:
لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ — سنن ابن ماجه، الصفحة المطبوعة 1/256 من
يصاحب هذا الحديث خلاف حقيقي، ومن الأفضل الاطلاع عليه بدلاً من تلقي حكم جاهز. فقد حكم محقق هذه الطبعة بضعف الإسناد، وفي تعليق للمحقق نفسه في سنن الترمذي، في الصفحة المطبوعة 1/40 من
، جمع ما خلص إليه نقاد الحديث حول هذا الباب بمجمله: يلاحظ المنذري أن الروايات الكثيرة في هذا الباب لا تخلو كل واحدة منها بمفردها من مقال، لكنها يقوي بعضها بعضاً بكثرة طرقها؛ ورأى ابن الصلاح أنها بمجموعها ترتقي إلى درجة الحديث الحسن؛ كما حكم كل من ابن القيم وابن كثير والعراقي على أحاديث الباب بالحسن. ويُسجل التعليق ذاته أن الحسن البصري وإسحاق بن راهويه والظاهرية ذهبوا إلى وجوب التسمية في الوضوء — لدرجة إيجاب إعادة الوضوء لمن تركها عمداً — وأن هذه إحدى الروايتين عن الإمام أحمد.في المقابل، رأى فقهاء آخرون في النصوص ذاتها دليلاً على الاستحباب لا الشرطية. وكلا الموقفين يستند إلى مجموعة الأحاديث ذاتها، وإلى اختلاف حقيقي في الرأي حول كيفية تقوية الطرق الضعيفة لبعضها البعض؛ لذا فإن تقديم أي من الرأيين على أنه هو السنة الوحيدة مع إغفال الرأي الآخر، يُعد تحريفاً لما في المصادر. قُلها — فلا أحد يختلف على أن قولها أفضل.
أوضح دليل على أن الوضوء ليس مجرد بوابة لشيء آخر، هو أن له صلاة خاصة ترتبط به، مستقلة عن أي صلاة فريضة تليه. فقد توضأ عثمان بن عفان أمام شاهد، ووصف الوضوء خطوة بخطوة، ثم روى الوعد النبوي:
مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ — صحيح البخاري، الصفحة المطبوعة 1/43 من
يأتي الشرط هنا أيضاً في جملة يسهل المرور عليها مرور الكرام: «لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ» — أي ركعتان لا ينشغل فيهما بحديث النفس. ويورد صحيح مسلم الشرط ذاته بصيغة الإثبات، في الصفحة المطبوعة ذاتها 1/209 من
: من أحسن الوضوء ثم صلى ركعتين «يُقْبِلُ عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ» وجبت له الجنة. تصف إحدى الروايتين العقل الشارد، وتصف الأخرى العقل الحاضر؛ وكلتاهما تتطلبان في هاتين الركعتين جودة الانتباه لا مقدار الوقت، وكلتاهما تدركان أن هذا هو الجزء الأصعب.ويتضح أن هذا تطبيق عملي وليس مجرد تنظير مما حدث عندما سأل النبي صلى الله عليه وسلم بلالاً عما كان يفعله:
يَا بِلَالُ، حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي الْإِسْلَامِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الْجَنَّةِ لم يذكر بلال في إجابته أمراً استثنائياً؛ بل قال إنه لا يعلم عملاً أرجى عنده من هذا: أنه لم يتطهر طهوراً قط في ساعة من ليل أو نهار، إلا صلى بذلك الطهور ما كُتب له أن يصلي.
— صحيح البخاري، الصفحة المطبوعة 2/53 من
، عن أبي هريرةإنها إذن عادة، وليست إنجازاً خارقاً — وهي يسيرة لدرجة أن أي شخص يقرأ هذا يمكنه البدء بها الليلة.
آخر ما يفعله الوضوء هو أنه يضعك على العتبة. يجمع الغزالي، في فصل عن الأسرار الباطنة للصلاة، عدة روايات عن أشخاص استشعروا تلك العتبة جسدياً. وقد صدّر الرواية الخاصة بعلي بن الحسين بكلمة «يُروى» — وهي صيغة التمريض التي يستخدمها العلماء لما ينقلونه دون الجزم بصحة إسناده، ونحن نُبقي على هذا التحفظ ولا نسقطه. وكما جاء في الرواية، كان لونه يتغير أثناء الوضوء؛ ولما سأله أهله عما يعتريه عند الغسل، قال: أتدرون بين يدي من أريد أن أقوم؟
— الصفحة المطبوعة 1/151 من
تلك هي خلاصة هذا المقال في سؤال واحد، طرحه شخص يقف عند حوض الوضوء. فكل ما سبق — من الخطايا التي تخرج مع الماء، والصباح البارد الذي يُعد رباطاً، والعلامة على الوجه، والكلمات في الختام — يصف الاستعداد للمثول بين يدي الله. وإذا كان الغسل يحقق ما تنص عليه الآية، فحين ينقطع الماء، لن يكون الشخص الذي يمشي إلى سجادة الصلاة هو ذاته الشخص الذي فتح الصنبور.
يوفر لك رفيق الصلاة الخاص بنا أوقات الصلاة، واتجاه القبلة، وعداً تنازلياً مستمراً للأذان القادم — لكي تقضي الدقيقة التي تسبق وقوفك في الاستعداد، بدلاً من التحقق مما إذا كنت متأخراً.
إذا كان هناك أي خطأ هنا — سواء في صياغة لا تفي بالنص العربي، أو إحالة لصفحة غير دقيقة، أو حكم على حديث بثقة تتجاوز ما يسمح به المصدر — فأخبرنا وسنقوم بتصحيحه علناً. فكل استشهاد في هذه الصفحة يفتح الصفحة المطبوعة التي نُقل منها، خصيصاً لكي تتمكن من التحقق بنفسك.
نسأل الله ﷻ أن يطهرنا كما وصف الطهارة، وألا يجعل أحداً منا يرد ذلك الحوض دون أن يُعرف.