Articles
العبادة التي تبدأ قبل بلوغ مكة
قبل أن يصل الحاج إلى الكعبة، جعلت السنة النبوية للباب والطريق والسماء كلمات ودعوات خاصة. نظرة فاحصة على ما قاله النبي وفعله في الساعات التي تبدأ فيها رحلة الحج فعليًا؛ أي لحظة مغادرة المنزل، لا لحظة الوصول.
- الكاتب
- The Quran Gallery team
- تاريخ النشر
- مدة القراءة
- قراءة 5 دقيقة
تبدأ معظم أوصاف الحج من المطار أو الميقات، وكأن الحج لا يبدأ إلا بارتداء ملابس الإحرام البيضاء. لكن إغلاق باب بيتك خلفك، والنظرة الأخيرة لمن تودعهم، والساعات التي تقضيها في طريقك إلى مكان لم تطأه قدماك من قبل؛ كل ذلك محسوب في ميزان رحلتك. فقد خصصت السنة النبوية أذكارًا ودعوات لهذه المرحلة تحديدًا، قبل أن تلوح مكة في الأفق.
إن فراق الأحبة، ولو لغاية نبيلة، يترك في النفس غصة. ولذا يميل الإنسان بطبعه إلى اختصار لحظات الوداع هربًا من ألمها. لكن النبي صلى الله عليه وسلم فعل عكس ذلك؛ فقد واجه لحظة الفراق بكلمات صريحة ولم يتجاوزها في صمت. فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ودعه قائلاً:
أَسْتَوْدِعُكَ اللَّهَ الَّذِي لَا تَضِيعُ وَدَائِعُهُ — ، سنن ابن ماجه، الصفحة المطبوعة 4/97. أشار محققو هذه الطبعة إلى أن هذا الإسناد بعينه ضعيف؛ نظرًا لوجود ابن لهيعة، وهو معروف بسوء حفظه، لكنهم حكموا على الحديث بأنه صحيح لغيره، لوروده من طرق أخرى تقويه، منها رواية في مسند الإمام أحمد.
ولا تقل معاني هذه الكلمات أهمية عن مجرد النطق بها. فهي لا تطلب الطمأنينة من المسافر، بل تسلم المقيم إلى حفيظ لا تضيع ودائعه؛ وهو في النهاية الجواب الصادق الوحيد لسؤال: من سيعتني بمن تركناهم خلفنا؟
كثيرًا ما يُردد الدعاء عند باب المنزل: “بسم الله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله”، متصلاً بدعاء أطول يطلب فيه المسافر الحماية من الضلال والزلل والظلم والجهل، وكأنهما دعاء واحد. لكن الحقيقة غير ذلك؛ فهما مرويان عن صحابيين مختلفين، وبإسنادين منفصلين، ومن المفيد إدراك ذلك قبل النطق بأيهما.
الدعاء الأول مروي عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
مَنْ قَالَ - يَعْنِي إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ - بِسْمِ اللَّهِ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ يُقَالُ لَهُ: كُفِيتَ وَوُقِيتَ، وَتَنَحَّى عَنْهُ الشَّيْطَانُ — ، جامع الترمذي، الصفحة المطبوعة 6/49، وحكم محققو هذه الطبعة بأنه حسن بشواهده، مع الإشارة إلى أن أحد رواة هذا الإسناد، وهو ابن جريج، معروف بالتدليس أحيانًا وإسقاط الواسطة التي سمع منها.
أما الدعاء الثاني فترويه أم سلمة رضي الله عنها، واصفةً ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوله في كل مرة يخرج فيها، وليس في مناسبة واحدة فحسب:
مَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَيْتِي قَطُّ إِلَّا رَفَعَ طَرْفَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ، أَوْ أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ، أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ، أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ — ، سنن أبي داود، الصفحة المطبوعة 7/424، وقد حكم محققو هذه الطبعة بأنه صحيح لذاته، ولا يحتاج إلى شواهد تقويه بخلاف الحديثين السابقين.
لا بأس من الجمع بين الدعاءين وقراءتهما تباعًا، كما يفعل الكثير من الحجاج عند أبواب منازلهم قبل الانطلاق. لكن ما لا ينبغي فعله هو دمجهما في “دعاء سفر” واحد مجهول المصدر، وكأن حديثًا واحدًا يجمعهما. لقد حفظ لنا صحابيان دعاءين مختلفين للموقف ذاته؛ والتمييز بينهما ليس من باب التكلف، بل هو تحرٍ للدقة في معرفة المصدر الحقيقي لهذه الكلمات.
إن المغادرة ليست مجرد حدث عابر ينتهي في لحظته. فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر فئة قليلة من الدعوات المستجابة التي لا ترد:
ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ لَا شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ الْوَالِدِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ — ، سنن أبي داود، الصفحة المطبوعة 2/639. يتضمن هذا الإسناد راويًا لم يتمكن المحققون من تحديد هويته بدقة، ولذا حكموا عليه بأنه حسن لغيره وليس صحيحًا لذاته؛ فهو معتمد بناءً على قوة الطرق الأخرى التي رُوي بها، ومنها رواية في مسند الإمام أحمد.
إن حالة السفر مؤقتة بطبيعتها؛ تبدأ بإغلاق الباب وتنتهي بالعودة. وهذه المدة القصيرة كافية لتخصيصها كفئة مستقلة من الدعاء المستجاب، وهو وعد محدد وملموس، وليس مجرد مواساة عابرة. فكل ما يطلبه الحاج في طريقه، أو في صالة الانتظار، أو في طوابير السفر، لا يضيع سدى، ولا ينبغي تأجيل الدعاء الصادق حتى الوصول.
كل ميل تقطعه نحو مكة هو، بالمعنى المباشر، ميل نحو الله. وتصف السنة النبوية هذا السير بأن الاستجابة له أسرع من الخطى ذاتها. فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم يروي عن ربه عز وجل:
أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي… وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً — ، صحيح مسلم، الصفحة المطبوعة 4/2102، في كتاب التوبة. وهو حديث صحيح لذاته لا يحتاج إلى حكم مستقل، لكونه في أحد أصح كتابين في السنة. وقد ورد اللفظ نفسه في صحيح البخاري.
هذا التفاوت في السرعة هو جوهر الأمر. فسرعة الحاج مقيدة بالزحام، والتأشيرات، والطوابير، وجسد يدركه التعب. أما الاستجابة الموصوفة هنا فلا يحدها شيء من ذلك؛ فالمتغير الوحيد في الحديث هو جهد المسافر نفسه، والعطاء يفوق هذا الجهد بأضعاف مضاعفة لحكمة ربانية.
يُوصف الحج أحيانًا، بتعبير فضفاض، بأنه ترك لكل شيء وراء الظهر. والحديث الذي يؤصل لهذه العبارة بدقة تفوق ما يتداوله الناس، هو ما روي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما:
الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ — ، سنن أبي داود، الصفحة المطبوعة 4/138، وحكم محققو الطبعة بأنه صحيح، وقد ورد اللفظ نفسه في صحيح البخاري.
حين قيل هذا الحديث، كانت الهجرة من مكة إلى المدينة — الحدث الذي منح كلمة “الهجرة” معناها الجغرافي الأصلي — قد انتهت؛ فقد فُتحت مكة، ولم يعد هناك مكان يُهاجر إليه بالمعنى الحرفي. لذا، يعيد الحديث تعريف هذا المفهوم بدلاً من إغلاق بابه: فالمهاجر يُقاس بما تركه وتخلى عنه، لا بالمسافة التي قطعها. فالحاج الذي يستقل طائرته لا يصبح مهاجرًا بهذا المعنى تلقائيًا. بل تتحول الرحلة إلى عبادة إذا ترك شيئًا محددًا مع مفتاح بيته؛ كعادة سيئة، أو ضغينة، أو ذنب استمرأه لسنوات. والتعريف المذكور أعلاه دقيق في تحديد الشرط: ليس المسافة المقطوعة، بل المعصية المتروكة.
غالبًا ما تبعث ساعات السفر الطويلة على الملل قبل أن تدفع إلى التأمل. وقد روى أبو ذر رضي الله عنه وصف النبي صلى الله عليه وسلم لما تحويه هذه السماء حقًا:
إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ، وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ، أَطَّتِ السَّمَاءُ، وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ، مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لِلَّهِ — ، جامع الترمذي، الصفحة المطبوعة 4/351. حكم محققو هذه الطبعة بأنه حسن لغيره؛ إذ يُعد هذا الإسناد بعينه ضعيفًا، لوجود راوٍ معروف بضعفه، وآخر لم يثبت سماعه المباشر من أبي ذر، لكن الحديث يتقوى بشواهد أخرى.
عادة ما يُنظر إلى المقعد المجاور للنافذة فوق السحاب كفرصة لالتقاط الصور. لكن هذا الحديث يصف الفضاء ذاته بأنه ممتلئ عن آخره بكائنات في حالة عبادة دائمة؛ وهو ما يعيد صياغة المشهد برمته بدلاً من مجرد إضافة ملاحظة عليه. فالمسافر الذي ينظر إلى المدن وهي تتضاءل من تحته لا ينظر إلى فراغ؛ فبحسب هذا الوصف، ليس في السماء موضع إلا وهو عامر بالعبادة.
لا شيء من هذا ينتظر الإحرام أو رؤية مكة. بل يبدأ من عتبة بابك، بكلمات تُنطق جهرًا ولا تُضمر، ويستمر طوال ساعات الطريق؛ ليُقاس بالدعوات المرفوعة، لا بالمسافات المقطوعة. وإن وجدتم فيما سبق خطأ في نقل حديث، أو مبالغة فيما يحتمله إسناده، فأخبرونا؛ فالتصحيح أحب إلينا من أن يبقى المقال بلا مراجعة.
تقبل الله ﷻ رحلة كل قاصد لبيته، وجعل المغادرة ذاتها في ميزان الحسنات إلى جانب الوصول.