تخطَّ إلى المحتوى
Search blog
Search blog…
كل المقالات

Articles

الحج المبرور: ما يتركه الحج المقبول في نفس صاحبه

سُئل الحسن البصري عن علامة قبول الحج، فلم تكن إجابته مرتبطة بمجرد شعور عابر. نستعرض هنا ما تعد به المصادر للحج المبرور، ولماذا كان السلف يقيسون أثره بعد انقضاء المناسك بأشهر.

الكاتب
فريق معرض القرآن
تاريخ النشر
مدة القراءة
قراءة 7 دقيقة

ثمة آية تخاطب الحاج في اللحظة التي يفرغ فيها من أداء مناسكه، وما تأمره به ليس الركون إلى الراحة:

فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَـٰسِكَكُمْ فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءَابَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا …

سورة البقرة، 2:200

إنها مقارنة مألوفة وقريبة من النفس؛ فهي لا تقيس ذكر الحاج لله بمعيار بطولي من التبتل والانقطاع، بل تقيسه بالطريقة التي يتحدث بها الناس عن آبائهم: باعتياد، وافتخار، وتلقائية، في أحاديثهم اليومية العادية حتى بعد انقضاء الحدث بوقت طويل. هذا هو المعيار الذي تضعه الآية لمن أنهى حجه للتو.

وهذا يخبرنا بشيء عن نظرة القرآن لختام الحج. فإتمام المناسك حقيقة واقعة، أما القبول فشأن آخر، وهو ما تتعامل معه المصادر الشرعية بوضوح؛ بمفردات محددة، وثواب موعود، وعلامات لا تظهر في كل الأحوال إلا بعد عودة الحاج إلى دياره.

جاء ذكر الثواب مرة واحدة، في جملة لم تُعلّق فيها أي شروط على الاسم نفسه:

الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الجَنَّةُ

— صحيح البخاري، الصفحة المطبوعة 3/2 من ، الحديث رقم 1773، عن أبي هريرة.

إذن، يرتكز الأمر كله على كلمة واحدة، وهي “المبرور”، ولم يتفق الشراح على معناها بالشكل الذي قد يتوقعه القارئ. فالعيني، عند تناوله لعنوان هذا الباب في شرحه لصحيح البخاري، يورد رأيين مختلفين جنباً إلى جنب. فقد فسر ابن خالويه كلمة “المبرور” ببساطة على أنها “المقبول”. بينما رأى آخرون أنها تعني الحج الذي لا يخالطه إثم، مشتقين الكلمة من “البر”، وهو مصطلح يصفه العيني بأنه اسم جامع لكل خير.

— عمدة القاري، الصفحة المطبوعة 9/133 من .

وهذان القولان ليسا متطابقين. ففي التفسير الأول، تصف كلمة “المبرور” حكماً يقضيه الله، ولا يمكن لأي حاج أن يطلع عليه. أما في التفسير الثاني، فهي تصف صفة في الحج نفسه، أي كيفية أدائه، وهو أمر يمكن للمرء، من حيث المبدأ على الأقل، أن يختبره في نفسه. وجلّ ما قاله السلف عن ختام الحج يقع في المسافة الفاصلة بين هذين المعنيين.

إن الوعد الأكثر تداولاً حول إتمام الحج هو أيضاً الأكثر تعرضاً للاجتزاء:

مَنْ حَجَّ لِلهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ

— صحيح البخاري، الصفحة المطبوعة 2/133 من ، الحديث رقم 1521، عن أبي هريرة.

إذا قرأت الجملة كاملة فسيتغير شكلها تماماً. فوعد محو الذنوب والعودة بصفحة بيضاء كالمولود الجديد هو “جواب الشرط”؛ ويحكمه شرطان يتعلقان بالسلوك أكثر من تعلقهما بصحة أداء المناسك. فلا يوجد هنا أي ذكر لأداء الطواف بلا أخطاء أو الوقوف في المكان الصحيح في الوقت المحدد. بل ما نُص عليه هو القول والفعل، أي سجل الإنسان وهو تحت وطأة الضغط، وسط الزحام، وفي حالة التعب، أو عند الوقوف في طابور لا يتحرك.

هذا هو الحديث الذي يستند إليه تفسير “المبرور” بمعنى “البر”، ومن الجدير بالملاحظة أن النبي صلى الله عليه وسلم قد ربط هذا الوعد العظيم بالجزء الذي يصعب على الآخرين تقييمه من الخارج في الحج، ولكنه الأسهل في أن يحمله الحاج معه في رحلة عودته.

يورد ابن رجب الحنبلي حواراً قصيراً يمس مباشرة السؤال الذي يبحث الحاج عن إجابته. ويستهل ذلك بالتأكيد على أن العلامات موجودة وليست خفية:

للحج المبرور علامات لا تخفى: قيل للحسن: الحج المبرور جزاؤه الجنة؟ قال: آية ذلك: أن يرجع زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة وقيل له: جزاء الحج المغفرة؟ قال: آية ذلك: أن يدع سيء ما كان عليه من العمل

— لطائف المعارف، صفحة 62 من .

سُئل الحسن مرتين، وفي المرتين أبى أن يجعل العلامة في أي جزء من أجزاء الحج نفسه. كلتا الإجابتين تشيران إلى نفس الفترة الزمنية، أي الأشهر التي تلي العودة، وكلتاهما تُطرحان كتغيرات يمكن للآخرين ملاحظتها. لا شيء في الإجابتين يتعلق بشعور في عرفة، ولا شيء فيهما يمكن إدراكه في رحلة العودة بالطائرة. فالحاج الذي يريد أن يعرف ما إذا كان عمله قد قُبل، يُطلب منه، عملياً، أن ينتظر ويراقب ما سيفعله بعد ذلك.

في الصفحة ذاتها، ينقل ابن رجب مقولة عن السلف تعيد صياغة اللحظة الأكثر حسية في الحج بأكمله:

قال بعض السلف: استلام الحجر الأسود هو أن لا يعود إلى معصية

يُفصّل ابن رجب هذه النقطة قائلاً: إن من يستلم الحجر إنما يبايع الله على اجتناب معاصيه وأداء حقوقه. ويربط ذلك باللغة التي يستخدمها القرآن نفسه في الحديث عن العهد، بأن من نكث فإنما ينكث على نفسه، ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجراً عظيماً.

هذه القراءة تحول الاستلام إلى فعل ممتد الأثر. فالمصافحة لا تكتمل في لحظة التلامس؛ بل تكتمل، أو تُنقض، بما يفعله الطرفان بعد ذلك. ولهذا السبب، فإن علامة الحسن الثانية، وهي أن يدع سيء ما كان عليه من العمل، ليست مجرد زيادة في التقوى تُضاف إلى حج مقبول. بل هي القضية ذاتها، ولكن من منظور آخر. فالحاج الذي يعود إلى نفس الذنوب التي وقف في الصعيد يتوب منها، لم يفشل في تحسين نفسه فحسب؛ بل إنه، وفقاً لهذا الفهم، قد نقض عهداً أبرمه بيده.

قد يميل البعض إلى اعتبار كل هذا مدعاة للاطمئنان؛ فالمناسك قد أُديت، والوعد قد قُطع، والأمر قد حُسم. لكن السلف سلكوا طريقاً آخر، ويورد ابن كثير مثالاً لافتاً في تفسيره للآية التي تُظهر إبراهيم وإسماعيل وهما يبنيان الكعبة نفسها:

وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَٰهِـۧمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَـٰعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ

سورة البقرة، 2:127

ملاحظة ابن كثير هنا هي أنهما في خضم عمل صالح، ويسألان الله في الوقت ذاته أن يتقبله منهما. ثم يذكر أن وهيب بن الورد كان يقرأ هذه الآية ويبكي ويقول: يا خليل الرحمن، ترفع قوائم بيت الرحمن وأنت مشفق أن لا يتقبل منك؟

— تفسير ابن كثير، الصفحة المطبوعة 1/623 من .

ويربط ابن كثير ذلك مباشرة بوصف المؤمنين الصادقين في القرآن:

وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَوا۟ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَٰجِعُونَ

سورة المؤمنون، 23:60

يُروى أن عائشة سألت النبي صلى الله عليه وسلم عما إذا كانت هذه الآية تصف من يرتكب الكبائر وهو يخاف الله، فصحح لها ذلك قائلاً: بل تصف من يعمل العمل الصالح ويخاف ألا يُتقبل منه. وهذا الأثر جدير بأن يُنقل بحذر لا بيقين مطلق. فقد أشار إليه ابن كثير على أنه حديث صحيح. وأخرجه ابن ماجه في باب بعنوان “التوقي في العمل”، بينما حكم شعيب الأرنؤوط، في تحقيقه لتلك الطبعة، بضعف الإسناد لعلة الانقطاع؛ مشيراً إلى أن عبد الرحمن بن سعيد الهمداني لم يلق عائشة، ناقلاً ذلك عن أبي حاتم.

— سنن ابن ماجه، الصفحة المطبوعة 5/288 من ، الحديث رقم 4198.

هذا خلاف حقيقي بين مفسر متقدم ومحقق معاصر حول إسناد واحد، وليس من شأن هذا المقال الفصل فيه. لكن ما لا يعتمد على الإسناد هو الآية نفسها، والآية وحدها تثبت أن القلب الوجل يمكن أن يكون قلب من حسنت أعماله.

إن الموقف الذي تصفه الآية موثق جيداً بعيداً عن أي رواية مفردة. فقد كتب ابن رجب أن السلف الصالح كانوا يجتهدون في إتمام العمل وإتقانه وإحسانه، ثم يهتمون بعد ذلك بقبوله، ويخافون من رده. ويجمع أقوالهم في ذلك: فعلي بن أبي طالب يوصي الناس بأن يكونوا أشد اهتماماً بقبول العمل من العمل نفسه، مستنداً في ذلك إلى قول القرآن إنما يتقبل الله من المتقين؛ وفضالة بن عبيد يقول لأن أعلم أن الله تقبل مني حبة خردل أحب إلي من الدنيا وما فيها؛ وعبد العزيز بن أبي رواد يقول إنه أدركهم يجتهدون في العمل الصالح، فإذا فعلوه وقع عليهم الهم: أيُقبل منهم أم لا.

— لطائف المعارف، صفحة 209 من .

ليس في هذا كله دعوة لليأس، فالقرآن صريح في توجيه هذا القلق إلى مساره الصحيح. ففي المقطع الذي يشرع الإفاضة من عرفات — ومباشرة قبل الآية التي تأمر بذكر الله بعد قضاء المناسك — يأتي التوجيه للحاج بافتراض التقصير لا الكمال:

ثُمَّ أَفِيضُوا۟ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسْتَغْفِرُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ

سورة البقرة، 2:199

يُؤمر الحاج بالاستغفار عن الحج. ليس عن السنة التي سبقته، بل عن العمل الذي أداه للتو. والاسمان الحسنيان اللذان تُختتم بهما الآية هما الجواب على الخوف الذي تصفه المقاطع السابقة، وقد وُضعا في الموضع الذي يشعر فيه المرء بذلك الخوف تماماً.

لذا، فإن الموقف الصادق في ختام الحج ليس الثقة المطلقة بإنجاز المهمة، ولا الشلل الناجم عن ترقب حكم مجهول. بل هو الموقف الذي لا تفتأ المصادر تعود إليه: أن يُؤدى العمل بأفضل ما يمكن، ويُستغفر منه وكأنه لم يكن كذلك، ويُؤخذ ثوابه بجدية تبعث على الرجاء، وتُترقب علامته بعد أشهر — فيما لا يزال المرء زاهداً فيه، وفيما لم يعد إليه قط.


إن كان فيما سبق أي خطأ — سواء في صياغة لم توفق في نقل المعنى، أو استشهاد غير دقيق، أو حكم على حديث قُدم بثقة تتجاوز ما يسمح به المصدر — فأخبرونا. فتصويب الخطأ أحب إلينا من أن يبقى المقال بلا مراجعة.

نسأل الله ﷻ أن يتقبل من كل حاج حجه، وأن يغفر ما كان فيه من تقصير، وأن يجعل علامات القبول ظاهرة فيه حتى بعد عام من الآن.