İçeriğe geç

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Basılı sayfa ٣١٩/ ١٥

الصبر على المصائب وفضل الاسترجاع

وفي مرة من المرات دعي ﷺ، لماذا دعي؟ قالوا: إبراهيم في سكرات الموت، سبحان الله! كان من أحب الناس إلى قلبه، وهو في السنتين، ليس بالكبير الذي تذهب محبته، ولا بالصغير الذي لم تبدأ محبته، لكن في سن كأنه لا يمشي إلا على كبدك أو قلبك، فأراد الله أن يجعل قلب الرسول ﷺ خالصاً له ﷾.

أتى ﷺ وإبراهيم في سكرات الموت فأخذه، ودموعه تهراق ﵊، وهو يقول: ﴿تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون﴾ أي: لا نتسخط على القضاء والقدر، فالله هو الذي أعطى، والله هو الذي أخذ.

أُثر عن داود ﵇، وكان ملكه ملكاً عظيماً كما سماه الله ﷿، والذي قال ﷾: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣] داود قيل: كان له قبل سليمان أربعون ولداً، فصلى مرة من المرات؛ فأراد الله أن يبتليه، ويختبر إيمانه، ويرفع درجته، ويمحص يقينه، ويرى هل يشكر أم لا، فسلم داود من الصلاة؛ فوجد الأربعين أمواتاً جميعاً! قال: حسبي الله ونعم الوكيل، إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم قال: اللهم أبدلني خيراً منهم.

وفي صحيح مسلم عن أم سلمة، قالت: قال رسول الله ﷺ: ﴿من أصيب بمصيبة فقال: اللهم اؤجرني في مصيبتي، واخلف لي خيراً منها، إلا أخلف الله له خيراً منها﴾ قالت أم سلمة: فلما توفي أبو سلمة زوجها وأحب الناس إليها، قالت: تذكرت هذا الحديث فقلته، قلت: اللهم اؤجرني في مصيبتي، واخلف لي خيراً منها، ثم قلت في نفسي -تقول هي في نفسها- من خير من أبي سلمة؟ قالت: فأبدلني الله ﷿ رسوله ﷺ فتزوجها المصطفى ﷺ.

فلما قال داود ﵇: وأبدلني خيراً منهم، أبدله الله بسليمان، وجعله الله نبياً وأتاه الحكم، وكان فقيهاً عاقلاً عابداً من العباد الكبار، ملك الدنيا فلم يملك قبله ولا بعده ملك مثل ملكه! حتى يقول: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص:٣٥] فأجرى له الله الريح، وسخر له ﷾ الجن والإنس والطيور والسباع والزواحف، وبسط قصته في موضع آخر.

إنما المقصود أن الرسول ﷺ قبل إبراهيم وعانقه رحمةً به، والرسول ﷺ كان من أرحم الناس.

أتت ابنته زينب فأرسلت إليه أن ابنها قد حضرته الوفاة فليحضر، وهذا الحديث صحيح، وكان مشغولاً ﷺ بوفد من الناس، فقال: ﴿أرسلوا إلى زينب وقولوا لها: إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فقالت زينب: والله ليأتين أبي﴾ وتقوِّل على أبيها: أي: تدل بحبها مع أبيها، ﵂، والبنت لها إدلال على أبيها، تحلف عليه وتجزم عليه، والله ليأتين أبي؛ لأنها في مصيبة ﵂ وأرضاها، وتريد أن يشاركها المصطفى ﷺ.

ولا بد من شكوى إلى ذي قرابة يواسيك أو يسليك أو يتوجعُ

فقام ﵊ وقام معه الناس، انظر من رحمته ﷺ حتى الوفد قاموا معه، ومنهم سعد بن أبي وقاص، ومعاذ، وذكر عبد الرحمن بن عوف، فوقف ﷺ، فقال: ائتوني بالطفل، فأتوا به ونفسه تقعقع كأنها في قربة، فأخذه ﷺ يحتضنه وهو يبكي ﵊، حتى سمع له نشيجاً ونحيبا.

فيقول ابن عوف: ﴿ما هذا؟ قال: رحمة جعلها الله في قلب من يشاء من عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء﴾ فالرسول ﵊ من أرحم الناس، فهو يتبسم وقت التبسم، ويبكي وقت البكاء، وله لباس في كل حالة كما وصفه ﷾ بالكمال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] قال بعضهم: إنك لعلى دين عظيم.

فسيرته ﷺ عظيمة كاملة، فمن أراد الاهتداء فعليه بها، فإنَّه ﷺ الموجه الذي لا يضل أبداً.