İçeriğe geç

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Basılı sayfa ٣٠٢/ ١٢

سبب خوف النساء من عمر

ونعود إلى قصة عمر، قال: بأبي أنت وأمي، والشاهد أنه ﷺ فدى بعض أصحابه بهذا، فقال: ﴿عجبت من هؤلاء اللاتي كن عندي، لما سمعن صوتك تبادرن الحجاب﴾ أي: أنه ﷺ يضحك ويعجب من هؤلاء النساء، وهن ناقصات عقل ودين، أشرف الخلق وأجل البشر ﷺ جالس، فلما أتى رجلٌ من رعيته وطالب من طلابه فررن، وهذا ليس من وضع الأمور في مواضعها، فقال عمر -انظر الحصيف العاقل لو كان غيره لسكت، وقال في نفسه: هيبة مني لمكانتي، ولشخصيتي الكبرى، ولعظمتي، لكنه تواضع وأرخص نفسه أمام الغالي ﵊ فقال: ﴿أنت أحق أن يهبنك يا رسول الله! ثم أقبل عليهن وقال: يا عدوات أنفسهن، أتهبنني ولا تهبن رسول الله ﷺ﴾.

فقالت امرأة منهن عاقلة: إنك أفظ وأغلظ من رسول الله ﷺ.

وأفظ وأغلظ -هنا- ليست للمفاضلة، فليس المعنى: أن رسول الله ﷺ فيه فظاظة وغلظة، لكن عمر أغلظ, لا.

بل هي من باب ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين:٨] ليس هناك حاكم والله أحكم منه، فليست للمفاضلة، إنما وردت هكذا.

فمعناها: إنك فظ غليظ، لأنها لو كانت للمفاضلة لكان هناك قدر ينسب إلى الرسول ﷺ وينسب إلى عمر، فقال رسول الله ﷺ: ﴿إيه يا ابن الخطاب! والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكاً فجاً إلا سلك فجاً غير فجك﴾.

وإيه: تستخدم على صور:

منها: متى أردت أن يسترسل المخاطب في الحديث الذي يتكلم فيه، فتقول: إيه, أي: زد زد

وإيهٍ: إعجاب بهذا الشخص، يقول: أنت البطل الذي لا مثله أحد.

ففي صحيح مسلم عن عمرو بن الشريد قال: كنت ردف الرسول ﷺ، فقال لي: ﴿أتحفظ شيئاً من شعر أمية بن الصلت، قلت: نعم، قال: أنشدني، قال: فأنشدته بيتاً، فقال: إيه، فأنشدته بيتاً، فقال: إيه، فأنشدته ثالثاً، فقال: إيه، فأخذ يقول: إيه، حتى أنشدته مائة قافية، ثم قال ﷺ: آمن لسانه وكفر قلبه﴾ أو كما قال ﷺ.

فيقول لـ عمر: إيه، أي: ما أعجبك وما أحسنك! وهكذا كن يا ابن الخطاب! استمر على هذا المنوال, من القوة والعظمة.

انظر إلى المربي العظيم، لم يحسده ﵊ لأن له هيبة، إنما أراد أن يوجهه؛ لأنه في ميزان حسناته، وهو من مدرسته، ومن خريجي صرحه العظيم ﵊ ﴿والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكاً فجاً إلا سلك فجاً غير فجك﴾ وورد في الآثار بأسانيد تقبل التحسين: أن عمر ﵁ وجد عفريتاً من الجن واقفاً؛ فقال عمر: من أنت؟ قال: أنا عفريتٌ من الجن، قال عمر: تصارعني، قال: نعم.

فصرع عمر ﵁ العفريت في الأرض، وألصقه بها، فقام الجني مرة ثانية فصرعه، فقام ثالثة فصرعه وبرك على صدره، فقال العفريت: لقد علمت الجن أني من أقواهم، فكيف بالضعاف! ففر، وفي الأخير أخبرهم خبراً، وأعلن لهم إعلاناً طارئاً ممنوع الاقتراب من عمر ﵁ وأرضاه.

قال بعض أهل العلم من الشراح: إنما ذلك لقوة إخلاصه ولصدقه مع الله ﷿، ولتجلي قلبه لما يرد عليه من الوضوح جعل الله فيه قوة، فهو من أعظم الناس إيماناً، ولذلك يقول ﷺ: ﴿عرض الناس علي في المنام وعليهم قمص، منها ما يبلغ الثدي، ومنها مادون ذلك، وعرض علي عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره.

قالوا: ما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: الدين﴾ فدينه بلغ الغاية، وكان محدَّثاً، أي: ملهماً من الله ﷿، يتكلم بشيء فيقع كما قال, وترجمته في غير هذا المكان.