İçeriğe geç

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Basılı sayfa ٢٩٠/ ٧

كلام الخطيب مع المأمومين

المسألة الثالثة: كلام الخطيب مع المأمومين؛ فللخطيب أن يتكلم وله أن يرد وأن يجيب، ولذلك اشترط بعض أهل العلم؛ خاصة من المفكرين في العصر الحديث كـ أبي زهرة في كتاب الخطابة: أن يكون الخطيب سريع البديهة؛ لئلا يرتبك في الخطبة؛ وألا يتكلم مع أحد فيضيع الخطبة فإنه اشترط هذا الشرط، وهذا الشرط ليس وارداً عند أهل العلم، وإنما هو من باب الملح والطرف.

وقد دخل أعرابي والرسول ﵊ يحدث أصحابه، وكان أمام الرسول ﷺ ما يقارب ألف رجل، والرسول ﷺ يواصل إسداء المعاني، ويواصل إعطاء الناس من القوة الروحية التي ما أعطاها الله بشراً إلا محمداً ﷺ، فيأتي هذا من جهله ومن جفائه، ثم يقف وسط الناس فينظر إلى الرسول ﷺ، ثم يقول: يا رسول الله! متى الساعة؟ فلم يقطع رسول الله ﷺ حديثه فيعيد الرجل سؤاله ماذا يقول الرسول ﷺ في الجواب؟ إن قال: الساعة لا أدري بها؛ قطع على الناس حديثهم.

وإن قال: اجلس واسكت، كانت هذه من الفظاظة والغلظة التي برأه الله عنها فقال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩]

وإن أجابه الرسول ﷺ؛ قطع حديثه الذي كان يتكلم فيه مع ألف رجل، وترك الموضوع الذي كان يتكلم عنه؛ لأجل أن يتكلم عن هذه القضية فسكت ﷺ، وما كأنه سمع.

قال أبو هريرة: فقال بعضنا: سمع ما قال فكره ما قال.

وقال بعضنا: بل لم يسمع؛ لأن الرسول ﷺ ما تلعثم ولا تغير ولا التفت، فلما انتهى ﷺ من حديثه قال: أين السائل عن الساعة؟ فقال: أنا يا رسول الله.

فخطأه في السؤال؛ لأن من جواب الحكيم أن يعرض عن سؤال ورد لا فائدة فيه لتفاهته وسخفه، وأن يأتي بجواب هو أملح وأصلح، كأن يقول: لم تسأل عن هذا؟ ولذلك يقول الله ﷿: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ [البقرة:١٨٩] أي: كيف يبدو صغيراً ثم ينحني، ثم يبدو ضئيلاً ثم يكبر حتى يتضخم، ثم يعود كذلك؟ فما الفائدة من هذا السؤال؟! قال الله ﷿: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة:١٨٩].

أي لماذا لا تسألون عن فائدة الأهلة؟ فالجواب هو هذا الجواب.

فقال الرسول ﷺ: ﴿ماذا أعددت لها؟ -والشاهد سوف يأتي- قال: ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صيام ولا صدقة، ولكنني أحب الله ورسوله.

فقال: المرء يحشر مع من أحب﴾.

وقطع الرسول ﷺ حديثه للرجل الأعرابي الذي دخل من نحو دار القضاء، فقال هذا الأعرابي: يا رسول الله! هلكت الأموال، وتقطعت السبل، وجاع العيال؛ فادع الله أن يسقينا.

هذا كلام في محله، وإن أخر الرسول ﷺ هذا فإنه لا يمكن أن يتأخر عن صلاة الجمعة، وهي مناسبة عبادة، وإن قال له: اجلس؛ جفاه كذلك، وإن تكلم في موضوع الاستسقاء فليس الحديث موضوع محاضرة تلقى على الناس؛ فقطع رسول الله ﷺ الخطبة مباشرة ورفع يديه وقال: ﴿اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا﴾.

الوقت في الصيف والناس في شدة حرارة، حتى يقول أنس: والله ما في السماء من سحابة ولا قزعة، والشمس تتوهج في الصيف وقد هلك الناس، فلما قال ﵊ هذا -وكان المسجد شماسياً، يرون ما خلفه- ثارت سحابة كالترس، فارتفعت هذه السحابة، قال أنس: والله لقد ثارت مثل الجبال.

وهو في الخطبة بعد أن استسقى ﷺ ثارت كالجبال حتى غطت سماء المدينة، ثم نزل الغيث والرسول ﷺ على المنبر، فأخذ الماء يتحدر من السقف ويصب على جبينه الطاهر الذي كأنه البدر.

يزيدك وجهه حسناً إذا ما زدته نظرا

فأخذ الرسول ﷺ يتبسم وهو في خطبته من هذه المعجزة التي شهدها أكثر من ألف ونقلت إلينا بالتواتر فلعن الله الملحدين أنى يؤفكون!

وكان ﷺ يخطب فدخل رجل اسمه سليك الغطفاني فلم يصلِّ، فقطع ﷺ خطبته وقال: ﴿أصليت؟﴾ وهذا من الأدب؛ لاحتمال أنه قد صلى، ولذلك فأهل العلم يعتبرون الاحتمال حتى لا يكذب الصادق، ولذلك يقول سليمان ﵇ للهدهد: سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين.

ولم يقل: أكذبت أم أنت من الصادقين، وهذا من حسن الظن بالصاحب.

يقول ابن القيم عن قصة سليمان ﵇ والهدهد في بدائع الفوائد: على المسلم ألا يستنكف من طلب العلم؛ فإن الهدهد عرض كلمة على سليمان وتواضع سليمان ﵇، حتى قال له بزعم وقوة: جئتك من سبأ بنبأ يقين، فما تكبر سليمان وما زها ﵇.

الشاهد أن الرسول ﷺ أقامه فصلى ركعتين فهذه مسألة الكلام من الخطيب إلى المأموم ومن المأموم إلى الخطيب.

وقد مر معنا ولا بأس بإعادته مرة ثانية لحسنه.

أعد ذكر نعمان لنا إنَّ ذكره كما المسك ما كررته يتضوع

وقف عمر ﵁ على المنبر يخطب الناس فقال: أيها الناس، اسمعوا وعوا.

فقام سلمان ﵁ وقال: والله لا نسمع ولا نعي.

قال: ولم يا أبا عبد الله؟ قال: ألبستنا ثوباً ثوباً، ولبست أنت ثوبين! لأن عمر كان يوزع الثياب التي كانت تأتيه من اليمن، وكان عمر رجلاً طوالاً جسيماً، فأعطى الصحابة ثوباً ثوباً، ولما لم يكفه هذه الثوب أخذ ثوب ابنه عبد الله بن عمر الذي هو حصته مع المسلمين؛ فقال: لا يرد عليك إلا ابن عمر، قم يا عبد الله، فقام عبد الله فرد على سلمان، فقال سلمان لما سمع

الجواب

الآن قل نسمع وأمر نطع.

فقال عمر: أرأيتم لو انحرفت عن الجادة ما كنتم فاعلين؟ فقام أعرابي من طرف المسجد وسل سيفه وقال: والله يا أمير المؤمنين، لو قلت كذا لقلنا بالسيوف هكذا، فتبسم عمر وقال: الحمد لله الذي جعل في رعية عمر من إذا قال كذا برأسه قالوا بالسيوف هكذا.

قد كنت أعدى أعاديها فصرت لها بفضل ربك حصناً من أعاديها