دروس الشيخ عائض القرني
تعجيل الفطر وتأخير السحور
كان ﵊ في رمضان يعجل الإفطار، ويقول: ﴿أحب العباد إلى الله أعجلهم فطراً﴾ والفطر هنا إذا غربت الشمس، كما في حديث عمر الصحيح ﴿إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، فقد أفطر الصائم﴾ لأن اليهود كانوا يؤخرون الفطر، فعجل ﷺ الإفطار، بشرط أن تغرب الشمس وأن يذهب النهار، وأن يأتي الليل، وكان يفطر ﷺ على رطب، كما في حديث أنس عند أبي داود والترمذي بسند حسن، قال: ﴿كان ﷺ يفطر على رطب، فإن لم يجد فعلى تميرات، فإن لم يجد حسى حسوات من ماء﴾ ﵊.
وعند أبي داود والترمذي من حديث سلمان بن عامر، قال: قال رسول الله ﷺ: ﴿ليفطر أحدكم على تمر، فإن لم يجد فليشرب ماءً فإنه طهور﴾ والعجيب أن في الرطب والتمر سرٌ عجيب للصائم، أورد ذلك ابن القيم، فإن البطن إذا جاع كان أحلى شيء يوافق المعدة التمر، فهو حلو يوافق الجوع، فسبحان الله من علمه وهداه ﷺ سواء السبيل، فكان طبيباً للأبدان، وطبيباً للقلوب يقودها إلى الله ﵎.
وكان ﵊ يؤخر السحور، بشرط ألا يصبح عليه الصباح، فيقول ﵊: ﴿تسحروا فإن في السحور بركة﴾ وبركة السحور تأتي بأمور ثلاثة:
أولاً: أنه إحياء لهذه السنة العامرة من الرسول ﵊، فبركة السنة لا يعادلها شيء، وكثيرٌ من الناس قد يترك طعام السحور، وقد خالف في ذلك السنة ولو أن صومه صحيح، فالسنة أن تقوم فتتسحر بما يسر الله، ليبارك الله في قيامك وصيامك.
ثانياً: أنها ساعة ينزل الله فيها إلى سماء الدنيا فيقول: ﴿هل من سائل فأستجيب له، هل من داع فأجيبه، هل من مستغفر فأغفر له﴾ فإذا رآك الله وأنت متسحر ذاكرٌ له، مستغفر منيب تائب، غفر لك سبحانه، وقبل دعاءك وأجاب سؤالك، وتاب عليك فيمن تاب، وأعتق رقبتك من النار، فهنيئاً لك بتلك الجلسة الإيمانية، فمقصودها وسرها الثاني أن تكون مستغفراً في السحر، فما أحسن السحر! وما أطيب السحر!
قام طاوس بن كيسان العلامة الكبير الزاهد العابد يزور أخاً له وقت السحر، فطرق عليه الباب، فقال له صديقه: أتأتيني في هذا الوقت، أيزار في هذا الوقت؟ فقال طاوس: والله الذي لا إله إلا هو ما ظننت أن أحداً ينام في السحر، أي: من المسلمين.
فانظر إليه من كثرة عبادته واتصاله بالله يستغرب أن ينام أحدٌ من الناس في السحر.
ثالثاً: أنه يعينك بإذن الله على الصيام في النهار، ويسكن حالك وأنت تتلذذ بنعمة الله، وتتناول طعام سحورك، كأنك تقول: يا رب هذا الطعام الذي خلقته ورزقته أتقوى به على طاعتك، وهو من أنواع الشكر على النعمة، وما أحسن الطعام إذا نوى به العبد التقوي على عبادة الواحد الأحد.