İçeriğe geç

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Basılı sayfa ٢٦٨/ ٦

عيشه ﵊ مع القرآن

الرسول ﵊ يوم عاش مع القرآن، عاش مع القرآن عملاً وتدبراً واستنباطاً، يقول لـ أبيّ: ﴿يا أبا المنذر! أي آية في كتاب الله أعظم؟ فقال: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) [البقرة:٢٥٥] فضرب ﵊ بيده اليمنى في صدر أبيّ، وقال: ليهنك العلم أبا المنذر﴾ أي: والله ليهنك العلم الصافي، والنمير العذب، فإن هذا هو العلم يا أبا المنذر.

وعيشه ﷺ مع القرآن، عيش تذكر وتدبر، يقول مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه، كما في سنن أبي داود: ﴿دخلت على رسول الله ﷺ، وهو يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء﴾ والمرجل هو: القدر إذا استجمع غلياناً، فصدره يتخضخض من البكاء، وله صوت أزيز تأثراً بكلام الله ﷾.

وفي حديث أبي ذر: ﴿أنه ﷺ قام ليلة من الليالي يقرأ، فافتتح قوله ﷾: بسم الله الرحمن الرحيم، فأخذ يبكي، ثم أعادها بسم الله الرحمن الرحيم، فأخذ يبكي، ثم أخذ يتأوه في النافلة ويقول: خاب من لم تدركه رحمة الله، خاب من لم تدركه رحمة الله﴾.

نعم، هذه حياته ﷺ مع القرآن؛ لأن القرآن أكبر مقاصده أنه كتاب هداية، وليس بكتاب طب، ولا تاريخ، ولا جغرافيا، ولا هندسة، ولكنه كتاب هداية يقود القلوب إلى الله الواحد الأحد، فهذا مقصد القرآن وقد علم ذلك ﷺ.

وعند ابن مردويه وأورده كثيرٌ من المفسرين في تفاسيرهم بأسانيد أن بلالاً ﵁ وأرضاه، مر في السحر ببيت رسول الله ﷺ يؤذنه بصلاة الفجر، فسمعه يقرأ قول الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩١] فقال لـ بلال وهو يبكي: ﴿نزلت علي آيات ويلٌ لمن قرأها ولم يتدبر﴾ فأعظم معالم حياته ﷺ في رمضان هذا القرآن.

ولذلك رأى بعض السلف الصالح أن شهر رمضان يخصص لتدبر القرآن، ولا يشتغل بغيره مهما كان العلم فاضلاً.

وورد عن الإمام مالك أبي عبد الله إمام دار الهجرة، أنه كان إذا دخل عليه رمضان ترك الفتيا والتدريس، وتحديث الحديث، وأخذ يقرأ كتاب الله ويقول: هذا شهر القرآن، هذا شهر القرآن.

وذكر ابن حجر في ترجمة الإمام البخاري، أنه ختم القرآن في رمضان ستين ختمة، ختمة في الليل وختمة في النهار، وأُوردها لهدف واحد؛ لأنها تدل على شدة اعتنائهم بالقرآن في رمضان.

ولكن هل هذا هو السنة؟ هذا فيه كلام، فإن سنته ﷺ الاعتدال والتدبر في قراءته، وورد عنه ﵊ أنه قال: ﴿لا يفقه القرآن من قرأه في أقل من ثلاثة أيام﴾ وقال لـ ابن عمرو في الصحيحين وفي غيرهما ﴿اقرأه في ثلاث﴾ فكأن السنة إلى ثلاثة أيام، وإنما أذكر هذا لأبين شدة اعتناء السلف الصالح بالقرآن، وكيف عاشوه، وتلذذوا بقراءته، وتعلموا منه وتدبروه؟!

فإذا لم يكن شهر رمضان شهرك الذي تختم فيه القرآن، تدبراً وتوجيهاً واستفادة فمتى يكون إذاً؟! والله ﷿ إنما جعل هذا الشهر شهر عبادة، وقبول، وتوبة، وفي الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: ﴿إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصدفت الشياطين﴾ وإن شئت فقل فُتِّحت، فإن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، وضبطها بعض المحدثين بالتشديد للمبالغة وغُلِّقت أبواب النار، وفي لفظ: ﴿النيران﴾ وصفدت الشياطين، فهي لا تؤذي في ذاك الشهر؛ لأن الله ﷿، أكثر من التوبة على عباده، وجعله موسماً للخيرات، ولقبول الأعمال، وللتوبة ورفع الدرجات وتقديم الحسنات، فطوبى لمن أدركه رمضان وأحسن فيه، وطوبى لمن أرضى الرحمن في شهر رمضان، ويا سبحان الله! كم هي فرحته وفوزه يوم يختم الشهر فيعتقه الله فيمن عتق.

إن الملوك إذا شابت عبيدهم في رقهم عتقوهم عتق أبرار

وأنت يا خالقي أولى بذا كرماً قد شبت في الرق فاعتقنا من النار