Skip to content

زهرة التفاسير ٦٠

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Printed page ١/ ٢٤٧

ولما استسقى موسى ﵇ لم ينزل عليه مطر، ولكن قال له ربه: (اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ) والعصا هي آية الله تعالى، ومعجزة موسى التي انقلبت حية تسعى، والتي بها ضرب البحر بها فانفلق، فكان كل فرق كالطود العظيم، ضرب بها الحجر، ولم يكن حجرا معينا له صفات ذاتية، بل إنه للعهد الذهني الذي ينطبق عليه اسم الحجر، كما تقول ادخل السوق، فالمراد أي شيء ينطبق عليه اسم السوق، ضرب موسى ﵇ الحجر (فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا) انفجرت: انشقت، وخرجت من الحجر اثنتا عشرة عينا، والعين هي الموضع الذي يخرج منه كعين زمزم، فماء العيون لَا يكون من السماء كالمطر، ولكن يكون من الأرض، أو الحجر، كما رأينا ما فعلته عصا موسى ﵇؛ وهنا ثلاث معجزات خارقة للعادة:

الأولى: ضرب الحجر بالعصا، فينبثق منه الماء، وهذه معجزة العصا.

والثانية: أن الضرب في الحجر الذي لَا يخرج منه الماء عادة، ولا يعلم أن الماء ينبع من الأحجار، ولكن من الأرض اللينة التي لَا تكون حجرا متماسكا، وقد يخرج ماء العيون من الجبال ولكن يكون من شقوق يخرج منها لَا من ذات الحجر، أما الذي يخرج من ذات الحجر فإنه خاص بمعجزة موسى ﵇.

الثالثة: كون الماء يخرج اثنتي عشرة عينا على قدر عدد الأسباط، و (قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مشْرَبَهُمْ) أي مكان شربهم، أي العين التي خصصت لهم، وقد كان الحجر الذي ضربه موسى ﵇ بعصاه مكعبا له أربعة جوانب ظاهرة على الأرض، فكان في كل جانب قد انبثق فيه ثلاث عيون، فيكون عددها في كل اثنتي عشرة عينا، وعلم كل أناس العين التي يشربون منها، فكان لكل سبط منهم ثلاث عيون.

وإن هذا التوزيع بينهم لَا يفرق، ولكنه يجمعهم، فالعدل يجمع ولا يفرق، وفوق ذلك فيه تسهيل للتناول فلا يتزاحمون ولا يتنازعون ولا يضيع الضعيف بينهم.

وقد بين الله تعالى أن الماء مباح لهم، كما أبيح لهم الطعام؛ ولذا قال تعالى: (كلُوا وَاشْرَبُوا) أي أنه أبيح لهم الأكل من المن والسلوى، كما ذكرنا آنفا، أو أبيح