تفسير أحمد حطيبة
الحكمة من تخيير النبي ﷺ في القسم بين النساء
وقوله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي﴾ [الأحزاب:٥١] أي: تضم إليك من شئت ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب:٥١] أي: إذا أخر فلم يتزوج ثم ابتغاها بعد ذلك، فله أن يتزوجها ﷺ، أو تزوج ومعه نساء، فقسم لفلانة ولفلانة ولم يقسم لفلانة ثم أراد أن يغير بعد ذلك فيقسم لفلانة مع هؤلاء؛ فهذا من حقه ﵊.
ولعل الواحدة من نساء النبي ﷺ قد تضايق النبي ﷺ في شيء، مثلما حدث من السيدة حفصة رضي الله ﵎ عنها من شدة غيرتها على النبي ﷺ، فضايقت النبي ﷺ ببعض الأفعال فطلقها صلوات الله وسلامه عليه، ونزل جبريل على النبي ﷺ فقال له: (راجع حفصة فإنها صوامة قوامة)، أي: لها فضيلة عند ربها سبحانه، فهي كثيرة الصيام والقيام، فردها النبي صلوات الله وسلامه عليه وأرجعها.
فهنا ربنا يقول له ﷺ: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾ [الأحزاب:٥١] أي: من عزلها النبي ﷺ فلم يقسم لها، أو طلقها ثم راجعها صلوات الله وسلامه عليه؛ فلا حرج عليه في ذلك، حتى تعلم نساء النبي ﷺ أنه قد أبيح له ذلك من عند الله سبحانه، ولا حرج عليه في ذلك، فتطمئن الواحدة أن هذا أبيح للنبي ﷺ، وليس من حقها أن تعترض، واعتراضها ليس على النبي ﷺ وإنما يكون على ربها سبحانه، فهذا قوله ﷾: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَينَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ [الأحزاب:٥١].
ذلك أي: ما أخبر به ﷾، قال: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب:٥١] أي: هذا منا نحن مننا عليك به، وأحللنا لك ذلك، وجعلنا لك أن ترجئ وأن تؤوي، وهذا من حقك فلا جناح عليك.
فإذا علمت المرأة أن هذا تشريع من الله سبحانه لنبيه ﷺ اطمأن قلبها إذ هو ﷺ لا يفعل هذا من عند نفسه، وإنما بإباحة الله ﷿ لنبيه ﷺ.
وقوله: ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب:٥١] كأنه إشارة إلى أن الأفضل له ألا يطلق أحداً من نسائه ﵊، وقد كاد أن يطلق السيدة سودة رضي الله ﵎ عنها، فعلمت سودة بذلك، فقالت للنبي ﷺ: (لا حاجة لي في الرجال، ولكن أحب أن أكون زوجتك في الجنة).
فالنبي ﷺ لم يفارقها، ووهبت يومها للسيدة عائشة رضي الله ﵎ عنها، فجعل النبي ﷺ يوم السيدة سودة للسيدة عائشة ﵂.
قال الله ﷿: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ﴾ [الأحزاب:٥١] أي: إذا عرفت الواحدة منهن أنها بالصبر على ذلك تكون زوجتك في الدنيا، وتكون زوجتك في الآخرة؛ تقر عينها بذلك، والعين القارة هي المستقرة، والقارة الباردة، والإنسان إما أن يكون حزيناً خائفاً، وإما أن يكون مسروراً مستقراً.
فالإنسان الخائف الحزين غير الإنسان المسرور المطمئن المستقرة عينه، فمعنى (تقر أعينهن) أي: تستقر العين بالطمأنينة التي في القلب، وكذلك تقر العين أي تبرد العين، والإنسان الحزين عينه حارة ودمعته حارة، والإنسان المسرور عينه قارة، ودمعته باردة.
إذا بكى من الفرح.
إذاً: تنفيذ أمهات المؤمنين أمر الله ﵎، وعلمهن أن هذا من عند الله سبحانه أباح لرسوله ما شاء، وله أن يؤوي إليه من عزل؛ هذا كله أدنى أن تقر أعينهن.
﴿وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَينَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ [الأحزاب:٥١].
أي: يرضين كلهن بما أعطيتهن، فترضى كل واحدة وتعلم أن هذا القسم من عند الله سبحانه، وأن التخيير للنبي ﷺ من عند الله، فترضى كل واحدة، فهذا أمر الله، فيصبرن ويرضين بأمر الله ﷾.