Skip to content

تفسير أحمد حطيبة تأييد الله لموسى بالآيات

تفسير أحمد حطيبة

أحمد حطيبة

Printed page ١٧١/ ٤

تأييد الله لموسى بالآيات

قال تعالى: ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ﴾ [القصص:٣١].

قوله تعالى: ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ [القصص:٣١] أي: ارم عصاك على الأرض.

وهنا كان أول العجب لموسى أنه يرى هذه النار في هذه الشجرة، ثم النداء من داخلها، والله ﷿ يناديه، فيقول له: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [القصص:٣٠]، فأسمعه الله سبحانه كلامه واختص موسى وحده بذلك ﵊، حتى جاء نبينا ﷺ ولم يكلمه الله ﷿ على الأرض، فالنبي الوحيد الذي كلم على الأرض واختص بذلك هو موسى ﵊، أما نبينا ﷺ فكلمه الله فوق السموات ﵊، حين رفع إلى سدرة المنتهى، ورأى نوراً، وكلمه ربه سبحانه وفرض عليه الصلاة، أما على الأرض فالذي خاطبه الله ﷿ وكلمه هو موسى؛ ولذلك وصف بأنه (كليم الله) أي: الذي كلمه الله؛ لقوله سبحانه: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣]، وهذا دليل على أن الله ﷿ كلم موسى ﵊.

قال تعالى: ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ [القصص:٣١] هذه معجزة ثانية وآية ثانية؛ حتى يعلم أنه رسول، وأن الذي يخاطبه هو الله ﷿ حقاً، فلابد أن يريه الله معجزاته، فقد رأى هذه الشجرة التي تتقد ناراً وهي لا تحترق، وسمع النداء من جوف هذه الشجرة، ولا يرى شيئاً ﵊، سوى هذه الشجرة.

وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ [القصص:٣١] آية أخرى، وهي العصا التي في يد موسى ﵊، وقد ذكر الله ذلك في سورة طه، فقال: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه:١٧]، بعدما أمره بقوله سبحانه: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه:١٢]، فيستجيب موسى لأمر الله ﷿، ويخلع نعليه لينال بركة هذا الوادي المبارك، أو ليتأدب مع ربه ﷾.

ثم يقول الله له: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه:١٧ - ١٨].

ويسرد الله ﷿ ذلك: أن موسى يتكلم عن يقين، أن هذه العصا يعرفها جيداً، ويعرف ماذا يعمل بها، عندما يمشي ويتكئ عليها، وليست شيئاً آخر.

وقوله تعالى: ﴿هِيَ عَصَايَ﴾ [طه:١٨] العصا لي ولم أطلبها من أحد، ولم آت بها من أي مكان، فهي معي دائماً.

قوله تعالى: ﴿أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾ [طه:١٨] أمشي عليها.

وقوله تعالى: ﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾ [طه:١٨] أي: عندما أرعى الأغنام أضرب أوراق الشجر، فينزل ورق الشجر فتأكل منه هذه الأغنام.

وقوله تعالى: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه:١٨] أي: منافع أخرى وحوائج أخرى.

قال تعالى: ﴿قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى﴾ [طه:١٩]، أي: ارم هذه العصا على الأرض التي أنت متأكد أنها عصاك.

فقال سبحانه: ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ [طه:٢٠]، أي: فألقى العصا التي يعرفها تماماً على الأرض، فهذه معجزة وآية أخرى لموسى ﵊، وأيضاً هي نوع من التشجيع والتربية لموسى على ألا يخاف من شيء، في وسط هذا الليل البهيم المظلم والبرد القارس والمكان الموحش الذي لا أحد به إلا الله ﷾، فموسى ﵊، يمرن على الشجاعة وعلى ألا يخاف.

قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾ [النمل:١٠] أي: أن العصا وقعت على الأرض، فإذا بها دبت فيها الحياة واهتزت تسعى وتتحرك.

قال تعالى: ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ [النمل:١٠] والجان والجنان: الحية والحيات، فقد وجدها موسى كحية عظيمة تسعى وتتحرك في الأرض، وتفتح فمها، فخاف موسى ﵊.

قال سبحانه: ﴿وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ [النمل:١٠] فالذي يولي مدبراً، أي: وجه ظهره إليه، والذي يعقب، أي: يرجع مرة أخرى وينظر، ولكنه لم يعقب، حيث جرى موسى ﵊ من شدة الخوف، وقد أراد الله ﷿ أن يخيفه ثم يطمئنه حتى يتعود موسى ﵊ على الشجاعة في المواقف التي ستكون أقل من ذلك.

قوله تعالى: ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾ [النمل:١٠] أي: أعطى ظهره وجرى.

وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ [النمل:١٠] أي: لم ينظر إلى هذا المكان، ولم يرجع إليه.

وقال الله ﷿ لموسى: ﴿يَا مُوسَى لا تَخَفْ﴾ [النمل:١٠] أي: ارجع إلى مكانك مرة أخرى.

وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ﴾ [القصص:٣١] كأنه يقول: لأنك من الآمنين، أو نؤكد لك أنك من الآمنين، ارجع إلى مكانك.

فرجع موسى إلى مكانه فأمره الله ﷾ أن يأخذ هذه العصا مرة ثانية وهو في غاية الرعب، والحية تسعى أمامه، ولكن الله طمأنه، وقال: ﴿خُذْهَا وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى﴾ [طه:٢١]، أي: سوف نرجعها مرة أخرى عصا كما كانت في يدك.

فأمسك موسى ﵊ بالثعبان فإذا به يرجع عصا مرة أخرى.

فمن يمسك ثعباناً من رأسه، ولكن موسى ﵊ شجعه ربه سبحانه بهذه التربية العظيمة، فأمسك بهذه الحية التي تسعى، فإذا بها ترجع مرة ثانية إلى هيئتها الحقيقة.

وحجم الحية ذكره الله لنا في سورة طه أنه لما حاج موسى فرعون وجاء السحرة فألقوا حبالهم وعصيهم، فإذا بهذه الحبال والعصي يخيل إلى موسى من سحر هؤلاء أنها تسعى، فأمره الله ﷿ ﴿أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ [الأعراف:١١٧] فلما ألقاها، قال تعالى: ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ [الأعراف:١١٧]، وهذا يدل على أنها حية ضخمة جداً التي كانت مع موسى ﵊.

وقوله تعالى: ﴿تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ [الأعراف:١١٧] أي: تأكل كل العصي، وكل الأشياء التي أمامها، والتي ظن هو أنها حيات، فصارت شيئاً ضخماً، وعندما يؤمر موسى أن يأخذ هذه الحية الضخمة بيده مرة ثانية فهو شيء مرعب ومخيف، ولكن الله يطمئنه فيقول: ﴿سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى﴾ [طه:٢١] فيمسكها موسى مرة ثانية، فهو أمسك حية تسعى فصارت عصا مرة ثانية.

فهنا يعلم الله ﷿ موسى حتى لا يخاف ﵊ إذا حدث هذا أمام فرعون، فلو أنه كان للمرة الأولى أمام فرعون وهو خائف، ويمسك العصا ويرميها فتصبح حية، فمن الممكن أن يخاف موسى ويهرب أمام فرعون ويهرب من هم موجودون، ولكن الله يربي موسى على الشجاعة، فإن هذه الحية تمرين وتدريب على ذلك، فعندما تصير حية هناك لا يخاف موسى ﵊، قال الله ﷿: ﴿يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ﴾ [القصص:٣١] فأمنه الله ﷾ مما يحاذر الآن من أمر هذه الحية، وبعد ذلك مما هو قادم عليه مع فرعون وملئه.

قال تعالى: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [القصص:٣٢].

قوله تعالى: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾ [القصص:٣٢] آية ثالثة، فالشجرة التي فيها النار آية من آيات الله سبحانه، وكلام الله ﷿ لموسى آية من آياته سبحانه، والعصا التي صارت حية آية من آياته، وهذه آية أخرى وهي قوله تعالى: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ [القصص:٣٢] فالجيب: هو مكان دخول الرأس من القميص، فأمره الله ﷿ أن يدخل يده في جيبه، فأدخل موسى يده في جيبه.

قال تعالى: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ [القصص:٣٢]، وقد كانت يده سمراء، حيث إن موسى ﵊ كان أسمر، فلما أدخل يده في جيبه، خرجت يده من جيبه بيضاء شديدة البياض لها شعاع كالشمس.

قوله تعالى: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ [القصص:٣٢] أي: تحولت إلى البياض، وهذا البياض ليس برصاً ولا بهاقاً، ولكن آية من آيات الله وجمالاً منه سبحانه فوق جمال موسى، أن تخرج بيضاء من غير سوء، ثم ترجع اليد مرة أخرى إلى ما كانت عليه.

فهي آية من آيات الله ﷿ ليثبت موسى وليريه أن هذا حق من عند الله سبحانه.

قوله تعالى: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ [القصص:٣٢]، أي: إذا خفت ضع يدك على صدرك؛ يذهب الخوف؛ لذلك كان ابن عباس ﵁ يذكر أنه ما من إنسان يخاف فيضع يده على صدره متوكلاً على الله منفذاً لذلك، إلا ويذهب الله ﷿ ذلك عنه، والله أعلم.

وقوله تعالى: ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾ [القصص:٣٢] هذه قراءة حفص عن عاصم بفتح الراء وبسكون الهاء.

وأما قراءة شعبة عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف: (مِنَ الرُّهْبِ) وهو نفس المعنى.

وقراءة بقية القراء: (مِنَ الرَّهَبِ) بالتحريك فيها، والمعنى: أنه إذا خشيت وأرهبت ضع يدك على صدرك؛ يذهب عنك الرعب، ويذهب عنك الرهب، فيطمئن موسى ﵊، فيقول له ربه سبحانه: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ [القصص:٣٢].

فهذه جملة آيات وجميعها لموسى ﵊، ولكن منها ما هو لفرعون