المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين
المَبحث الثَّاني نبذةٌ عن أشهرِ مَن نقد «الصَّحيحين» مِن المُتقدِّمين
علِمنا قبلُ اهتمامَ أهل الحديث وحُذَّاق العللِ بفحصِ أحاديثِ «الصَّحيحين» منذ وقت مُبكِّر، حيث احتفوا بهما كأشدِّ ما تكون الحَفاوة والإجلال، من غير أن يمنعهم ذلك أن يُعلنوا بأحاديثَ رأوا فيها نوعَ عِلَّةٍ تخِلُّ بشرطِ المُصنِّفَيْن، مَيَّزوها في مُصنَّفاتٍ مستقلَّة عديدة.
وليس يخفى على حَدِيثيٍّ أنَّ أبرز مَن تَوجَّه إلى نقد الكتابين مِن أئمَّةِ العِلَل أبو الحسَن الدَّارقطني (ت ٣٨٥ هـ)، وذلك في ثلاثةٍ مِن مُصنَّفاتِه، تفاوتت في عَدد ما أعَلَّته في «الصَّحِيحين»، أشهرُها «التَّتبُّع»؛ مُحصِّل ما في هذا الكتاب من أحاديثَ مُتكلَّم فيها -مِن غير المُكرَّر- مِائَتا حديثٍ (١).
والدَّارقطني لم يَتغَيَّ في هذا السِّفْر استيعابَ جميعِ ما يراه مُنتقدًا على الشَّيخين، فإنَّا نجد في كتابِه الآخر المَشهور بـ «العِلَل الواردة في الأحاديثِ النَّبويَّةِ» أحاديثَ أعَلَّها لم يذكرها في كتابِ «التَّتبُّع»، قد بلَغَ تِعدادها سبعةً وثلاثين حديثًا (٢).