Skip to content

توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه

توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Printed page ٣/ ٢٤

قوله: ((إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ)): هذا البعض هو الذي يكون فيه الصياح ورفع الصوت، وأما البعض الآخر فلا يعذب به، وهو الذي يكون بدمع العين.

في هذه الأحاديث: أن عائشة ﵂ جزمت أن النبي ﷺ لم يقل: ((إِنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ))؛ لهذا قالت: ((يَرْحَمُ اللَّهُ عُمَرَ، لَا وَاللَّهِ مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الْمُؤْمِنَ بِبُكَاءِ أَحَدٍ))، وهذا اجتهاد منها ﵂، واستدلت عليه بقوله ﷺ: ((إِنَّ اللَّهَ يَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ))، وبالآية فقالت: ((حَسْبُكُمُ الْقُرْآنُ: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾))، فظنت أن تعذيب الميت ببكاء أهله عليه يعارض الآية.

وعائشة ﵂ أفقه امرأة، ولكنها ليست معصومة، فقد أخطأت في تغليطها عمر ﵁، ثم هي- أيضًا- وقعت فيما فرت منه ﵂، فقالت: ((إِنَّ اللَّهَ يَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ))، فكيف يعذب الكافر بعمل غيره؟

واختلف العلماء في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه، هل يكون مطلقًا؟

فذهب الجمهور: إلى أنه لا يعذب إلا إذا أوصى أهله بالبكاء عليه، فإنه يعذب، وفي هذه الحالة يكون من عمله، ولا يعارض الآية (١).

وقال آخرون: يعذب إذا أوصى، أو سكت ولم ينههم عن النياحة، أما إذا نهاهم وحذرهم فلا يعذب.

والصواب: أن هذا مستثنى من الآية، وأن العذاب شيء خاص الله أعلم بكيفيته، وجاء في بعض الأحاديث: ((مَا مِنْ مَيِّتٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ بِاكَيهِ، فَيَقُولُ: وَاجَبَلَاهُ وَاسَيِّدَاهُ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، إِلَّا وُكِّلَ بِهِ مَلَكَانِ يَلْهَزَانِهِ: أَهَكَذَا كُنْتَ؟ )) (٢).

وعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄، قَالَ: ((أُغْمِيَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ،